الجمعة، ديسمبر 18

القرار السليم







انا رجل اعمال شاب تعرفني شخصيا لانني قد تعاونت معك من قبل في موضوع قديم من موضوعات بريد الجمعه‏,‏ لكن ظروفي الان تحول بيني وبين ذكر اسمي‏,‏ وقد دفعني للكتابه اليك ماقراته في بريد الجمعه من رساله الزوجه الشابه التي انفصلت عن زوجها الذي تحبه ويحبها بسبب عدم قدرته علي الانجاب‏,‏ واحساسها بالندم علي ذلك‏,‏ ورغبتها في العوده اليه‏,‏ وقد كان يحبها باخلاص ويحسن معاملتها‏,‏ ولقد رددت عليها ونصحتها مادامت ترغب في العوده اليه‏,‏ بالاعتذار له عما المته به تمهيدا لاستئناف حياتهما معا‏,‏ ولقد اثارت هذه الرساله شجوني‏.‏ فلقد افاء الله سبحانه وتعالي علي بكل النعم‏,‏ من مال ونجاح كبير في الحياه العمليه‏,‏ الا ان حكمته جل شانه قد رات ان تحرمني من نعمه البنين‏,‏ واكتشفت ذلك اخيرا حين تاخرت زوجتي في الحمل واضطررنا لعمل التحاليل اللازمه فجاءت نتيجتها بهذه الحقيقه المولمه‏,‏ وانا رجل مومن بالله وراض بقضائه الا انه تواجهني عده مشكلات لا ادري لها حلا‏,‏ اولاها انني اشعر بانني اظلم زوجتي باستمرارها معي بالرغم من انها مصره علي الحياه معي وتري انني لم اقصر في حقها وارعي الله فيها وفي كل من هم حولي‏,‏ وتري كذلك ان هناك املا في الشفاء‏,‏ وهو من عند الله سبحانه وتعالي دائما‏,‏ لكني بمنطق رجل الاعمال اري ان النهايه اتيه لا ريب فيها وانها لن تستطيع تحمل الحرمان من الولد الي النهايه خاصه مع انجاب صديقاتها وزميلاتها‏,‏ ونظرات الاقارب المتسائله عن سر عدم الانجاب‏,‏ ومن هذه المشكلات ايضا انني لم استطع حتي الان ولا استطيع مواجهه ابي وامي بهذا الابتلاء خاصه انهما في حاله صحيه لا تسمح لهما باحتمال هذه الصدمه‏,‏ ومنها ماسبق ان اشار اليه بعض المبتلين بمثل هذا الحرمان وهي في رسائلهم اليك وهو نظرات الناس من حولي وتساولاتهم لماذا لم تنجب حتي الان وقد افاء الله علينا باكثر مما نستحق من نعم‏,‏ وهي تساولات لا جواب لها عندي‏,‏ اما المشكله الاخيره فتتعلق بي شخصيا‏,‏ فلقد اصبت بحاله احباط شديده عند علمي بهذه الحقيقه المولمه‏,‏ واشعر الان انني قد فقدت الحافز للحياه وبانه لا معني للسعي والعمل ولا لهذه المشاريع والاعمال التي اديرها‏,‏ فهي لم تذهب لاحد من بعدي‏,‏ وابي وامي لديهما مايكفيهما فلمن اعمل اذن واكدح واسعي الي التوسع والنمو ؟ انني لا اجد داعيا للعمل وبالتالي الي الحياه ولا حتي للخروج من باب البيت‏,‏ ولقد وجدت سلواي في الصلاه وقراءه كتاب الله‏,‏ املا ان يلهمني الله سبحانه وتعالي الصبر والقرار السليم بشان حياتي الخاصه‏,‏ ذلك انني اري اننا يجب ان ننفصل انا وزوجتي الحبيبه حتي لا نصل الي المرحله التي وصلت اليها الزوجه الشابه في الرساله المشار اليها حين طلبت الطلاق من زوجها واصرت عليه بالرغم من دموع زوجها وتوسلاته اليها الا تتركه‏,‏ ولكي اقطع دابر الاسئله الحائره من حولي‏,‏ لكني لا اجد في نفسي الشجاعه لان اخبر زوجتي برايي هذا‏,‏ كما اري انني يجب ان اصارح عائلتي ومن حولي بهذه الحقيقه المولمه لكني ايضا لا اجد الشجاعه الكافيه لذلك‏,‏ وانا اومن دائما بصواب رايك‏,‏ لكني لا اتفق معك في نصحك لهذه الزوجه بالاعتذار لزوجها والعوده اليه‏,‏ لانها لو اعتذرت ورجعت المياه الي مجاريها بينهما فسوف يغلبها الحنين الي الاطفال‏,‏ ويتكرر ماحدث بينهما مره اخري‏,‏ واري لها ان تترك زوجها لاقداره لان الياس احدي الراحتين‏,‏ ولا داعي لنكا الجمار مره اخري‏,‏ انني انتظر رايك فيما يواجهني من مشكلات‏,‏ وارجو تجنب الاشاره الي اي شيء تفلح معه الاستنتاجات في التعرف علي شخصيتي راجيا من المولي عز وجل ان يلهمكم الصواب دائما‏,‏ وان نتعاون مستقبلا في ايه مشاكلات تخص اخواننا من قراء البريد‏.‏



ولكاتب هذه الرساله اقول‏:‏


حين يصطدم الانسان باحدي حقائق الحياه المولمه‏,‏ ويتطلب منه الامر اتخاذ قرار مصيري بشانها‏,‏ فان افضل مايفعله هو ان يوجل اتخاذ هذا القرار بعض الوقت‏,‏ الي ان يستعيد توازنه الذي زلزلته هذه الحقيقه نفسها‏,‏ ويتاح له الوقت الكافي لكي يبرا من اثر الصدمه القاسيه ومما اصابه من احباط وقنوط وياس انفعالا بها‏.‏ ذلك ان اسوا مانفعله بحياتنا هو ان نتخذ القرارات المصيريه بشانها ونحن في قمه تاثرنا وتشوش افكارنا وانفعالنا بما لا يرضينا من حقائق الحياه المولمه‏.‏


وانت ياصديقي في بوره تاثرك بما اكتشفت من عدم قدرتك علي الانجاب في الوقت الحالي‏,‏ وتستوي لديك الان كل الاشياء‏,‏ وتشعر بعدم جدوي الحياه والحب والعمل والكفاح والعلاقات الانسانيه‏,‏ وفقدت حتي الرغبه في مجرد مغادره البيت ومواصله الاشتراك في مباراه الحياه‏,‏ وتقبل هزائمها والانتشاء بانتصاراتها‏..‏ فكيف تكون صالحا وانت في هذه الحال من الضعف النفسي والياس والضغط لاتخاذ قرار قد تتاثر به حياتك سلبا او ايجابا الي نهايه العمر‏,‏ انكم في دنيا الاعمال والاداره تقولون ان القرار الخاطيء الذي تكون له دائما اوخم العواقب هو القرار الذي يتخذه صاحبه انفعالا بموقف طاريء‏,‏ او تحت ضغوط نفسيه قاسيه لا تتيح لصاحبه صفاء التفكير والتجرد من الموثرات الشخصيه‏,‏ او بناء علي معلومات ناقصه او خاطئه‏.‏


وقرارك الان سوف تجتمع له كل اسباب الخطل اذا اتخذته علي الفور لانك اولا في قمه انفعالك الحزين بما عرفت عن نفسك‏,‏ وتقع تحت ضغوط نفسيه قاسيه‏,‏ ولا تتوافر لك كل الحقائق اللازمه لاتخاذ القرار الصحيح‏,‏ وابسط دليل علي افتقادك لها هو انك لا تضع اختيار الطرف الاخر المعني بهذه المشكله لحياته في الاعتبار وهي زوجتك‏,‏ وترجم بالغيب فتقرر انها لن تحتمل الحياه بدون انجاب الي مالانهايه‏,‏ وسوف تعمل معك الي النقطه التي تشفق علي نفسك منها وتطلب ذات يوم الانفصال عنك‏,‏ وكل ذلك ليس هناك مايوكده او يجعل منه امرا غير قابل للمناقشه‏,‏ فشريكه حياتك كما تقول انت نفسك ترغب في استمرار الحياه معك وتري انك ترعي الله فيها ولا تقصر في حقوقها‏,‏ والزوجه التي كتبت لي الرساله وتتخوف من ان تصل شريكه حياتك ذات يوم الي مثل موقفها حين طلبت الطلاق‏,‏ هي نفسها الزوجه التي ندمت علي هجرها لزوجها وكتبت الي ترجوني مناشدته ان يعيدها لعصمته بعد ان عرفت عن نفسها انها لا تحتمل الحياه بعيده عنه‏.‏ فاذا كنت تستشهد بموقفها في طلب الانفصال كدليل موكد علي عدم قدره شريكتك علي احتمال الحياه معك بدون انجاب الي مالانهايه‏,‏ فكيف غاب عنك موقف هذه الزوجه نفسها حين ندمت علي تسرعها وافتقدت شريك حياتها المحب ورغبت في العوده اليه والحياه معه بغير انجاب ؟





لقد اثرت تاملاتي بحديثك عن عدم جدوي العمل والمال وليس هناك من سوف يرثه عنك‏,‏ لكني اقول لك ياصديقي انه لا يياس من روح الله الا القوم الكافرون‏,‏ وانت والحمد لله رجل مومن بالله سبحانه وتعالي ورسله وكتبه وبقضائه وقدره خيره وشره‏,‏ فكيف تقنط من رحمته الي هذا الحد ؟ ان في الحياه رجالا ونساء شاءت لهم اقدارهم ان يحرموا من الانجاب فازدادوا عطفا وتمسكا بشركائهم وتعزوا عما افتقدوه بجوانب حياتهم الاخري‏,‏ وبالحب الصافي الذي يتشاربونه مع شركاء العمر وبالعطف المتبادل بينهم‏,‏ وعرفوا انه لا يربط بينهم سوي الحب الصادق فحرصوا عليه ورووا اشجاره‏..‏ فاثمرت ثمارها الطيبه في حياتهم‏,‏ وفي الحياه ايضا من اكتشفوا مثل هذه الحقيقه عن انفسهم في بدايه زواجهم فلم يياسوا من رحمه ربهم‏,‏ وصبروا علي اقدارهم‏,‏ وواصلوا السعي وطلب العلاج بلا كلل سنوات بعد سنوات‏,‏ فمنهم من انجب لاول مره بعد زواجه ب‏12‏ او‏15‏ عاما‏,‏ ومنهم من شعر بالرضا عن اقداره لانه لم يقصر في طلب العلاج‏,‏ واتسع قلبه لرعايه طفل محروم او تعوض عن حرمانه بان اعتبر ابناء الاشقاء والشقيقات ابناءه وفاض عليهم قلبه بحبه وحنانه‏.‏


انني اخشي ان اقول لك انك بما تراه من ضروره الانفصال عن زوجتك بعد اسابيع قليله من اكتشاف عدم قدرتك علي الانجاب وبغير كفاح طويل ومر يتطلب الشفاء‏,‏ اخشي ان اقول انك انما تخشي علي نفسك انت من اللحظه التي يشتد فيها حنين زوجتك للاطفال فتطلب منك الانفصال‏,‏ اكثر مما تشفق عليها هي من حياتها معك بغير انجاب وفي ذلك فانك ستكون ظالما لها باقصائها عن حياتك علي غير رغبتها بدعوي انك تطلب لها الافضل علي المدي البعيد حتي ولو تالمت لبعض الوقت لانفصالك عنها‏,‏ ولن تكون ظالما لها علي العكس من ذلك حين تواصل حياتك معها بناء علي رغبتها واختيارها الحر‏,‏ حتي ولو عانت داخليا مما لا مفر من معاناته في مثل هذه الحاله‏.‏


اننا في بعض الاحيان قد نتخذ من القرارات ماهو اكثرها انانيه‏..‏ ونحن نتوهم اننا انما نقدم بها التضحيه لمن يستحقون التضحيه من اجلهم‏,‏ ونصيحتي لك في النهايه هي ان توجل اتخاذ اي قرار بشان حياتك الشخصيه الي ان تستعيد صفاء الذهن وحماسك للحياه والاشياء من جديد‏,‏ والا تنفرد باتخاذ هذا القرار دون شريكتك في الحياه بدعوي التضحيه بسعادتك في سبيل سعادتها‏.‏ فالسعاده اثمن من ان يضحي بها المرء بمثل هذه السهوله‏.‏ ومنطق رجال الاعمال الذي تري به ان النهايه اتيه لا ريب فيها‏,‏ لا يصلح للتعامل مع هذه المشكله‏,‏ لانه منطق لا قلب له ويعتمد علي الحقائق المجرده والارقام الصماء وحدها‏,‏ وحياتك وحياه زوجتك وسعادتكما انما تحتاج الي منطق الحب والعطف والتضحيه الحقيقيه وليست الموصومه‏..‏ للتعامل معها‏.‏


فاما اشفاقك علي ابويك من ابلاغهما بما تعانيه في مشكله الانجاب‏,‏ وتساولات الاخرين من حولك‏,‏ فالحق هو انك لست مطالبا بتفسير اي شيء في حياتك الشخصيه لاخرين فيما عدا والديك اللذين يهتمان بامرك وصهريك اللذين يهتمان بامر زوجتك‏,‏ ومااسهل ان تتلطف في ابلاغ ابويك بانك تواجه بعض المشكلات الصحيه في الانجاب لكنك تطلب العلاج بجديه وتامل في الشفاء ذات يوم قريب باذن الله‏,‏ وان تفعل زوجتك نفس الشيء مع ابويها‏..‏ ثم تغلقان باب التساول بعد ذلك امام الجميع وتواصلان حياتكما في امل لا ينقطع في رحمه الله‏..

وتخرج انت من قوقعتك وتستعيد حماسك للحياه‏,‏ وتومن بما امرنا به الهادي البشير صلوات الله عليه وسلامه‏,‏ من انه اذا قامت الساعه وفي يد احدكم فسيله فليغرسها في الارض طلبا للخير للاخرين ولو كانت الازفه علي الابواب فاذا كنت تتساءل عن جدوي العمل والتوسع والمال وليس هناك من يرثه‏,‏ فاني اقول لك ان الشجره الوارفه يستفيد الاخرون بظلها ولا تستفيد هي منه شيئا‏..‏ ولهذا يفضلها الجميع علي الشجره الجرداء ويخصونها بحبهم واعتزازهم‏,‏ وكذلك الانسان حين يمتد ظله علي الاخرين ويحميهم من لهيب الشمس ويهييء لهم اسباب السعاده‏,‏ ويسعد نفسه وشركاء حياته وكل من حوله‏.‏