الجمعة، يوليو 23

الشاهد


أنا شاب عمري‏31‏ عاما اعمل في وظيفة مناسبة بشركة محترمة وبمرتب معقول‏,‏ وقد تزوجت منذ‏5‏ سنوات من فتاة احببتها‏..‏ وتمنيت أن أسعد بحياتي معها وان أسعدها‏..‏ وفقني الله في اعداد مسكن مجهز بالتليفزيون والثلاجة والغسالة الاتوماتيك‏,‏ وأصبح بيتا جميلا في عين كل يدخله‏,‏ ويلمس بساطته وتناسقه والذوق السائد فيه‏.‏

 
وحين انتهيت من اعداد هذا المسكن الصغير قلت لنفسي اننا قد جهزنا المكان ولم يبق إلا أن نبعث فيه دفء السعادة والود المتبادل والعشرة الحلوة‏,‏ واقبلت علي حياتي الجديدة مفعما بالآمال والرغبة القوية في السعادة‏,‏ لكنني لم احظ بشيء من ذلك للأسف‏,‏ لأن زوجتي غير راضية عما اتيح لنا من أسباب‏,‏ واعيش في نكد مستمر منها‏,‏ ومن أهلها الذين يناصرونها علي طول الخط ظالمة ومظلومة‏,‏ وكذلك بسبب نصائح أمها لها بأن كل ما عليها أن تفعله حين نتشاجر هو أن تضع ماكياجا كاملا علي وجهها‏,‏ وترتدي أحسن قميص لديها‏..‏ وتفتح جهاز التسجيل علي أعلي صوت له وكأنها تقول للجميع انه لا يهمها زوجها في شيء‏!‏




 
اما في مناقشاتنا فهي لا تلتزم الأدب معي ويرتفع صوتها علي‏,‏ وتنطق بالفاظ غير محترمة مما يجبرني وانا الرجل الهاديء المصلمي الذي يشهد له الآخرون بحسن خلقه علي الرد علي اهاناتها‏.‏
وحتي بعد ان انعم الله علينا بالولد استمرت والدتها تؤلبها علي وعلي اخوتي الذين يكنون لزوجتي الحب وذلك لكي تقطع علاقاتها بهم بالرغم من انهم يقيمون في اطراف المدينة ولا يزورننا كثيرا‏.‏




وحين بلغ ابني من العمر عامين ونصف العام اصبح للمشاكل بيننا شكل آخر وعند حدوث خلاف بيني وبينها خلال الليل فانها بدلا من أن تحتوي المشكلة لكيلا يصحو الطفل من نومه‏,‏ فأنها توقظه لكي يشهد الخناقة بيني وبينها ويكون شاهدا علي ما يجري بيننا فلا يملك الطفل الصغير إلا أن يبكي ويرتجف من الخوف والفزع‏,‏ وفي بعض الأحيان قد لا تكتفي بايقاظه فقط‏,‏ وإنما تضربه ايضا لكي ينشأ معقدا مثلها كما تقول لي‏:‏
ومنذ بضعة اسابيع طلبت مني ان تذهب الي بيت اهلها لحضور حفل عيد ميلاد احد اخوتها‏..‏ واعترضت علي ذلك لمرضها بسبب الحمل‏,‏ فذهبت الي اهلها غاضبة‏..‏ واستبقاها الاهل لديهم بغير أن يرشدها أحد منهم الي الصواب وايدوها علي طول الخط كعادتهم معها‏,‏ وكان شرطهم لعودتها للبيت ان يتنازل اهلي عن دين لهم اقترضته منهم لعلاجها عقب الولادة من مرضها‏..,‏ وألا التزم بدفع اقساطه‏,‏ لأن ذلك كما يقولون يؤثر علي حياة ابنتهم‏.‏

انني اكتب اليك الآن لكي أقول لك إنه لا أحد يطلب التعاسة لنفسه أو يتمني الفشل في الزواج‏,‏ لكن ظروف الحياة قد تضطرنا في بعض الأحيان الي ان نفعل مالا نتمناه لانفسنا‏..‏ فأنا مثلا لم أكن اتصور ان يجيء اليوم الذي أفكر فيه جديا في الطلاق‏,‏ وهدم بيتي وتمزيق طفلي الصغير بيني وبين أمه‏..‏ ويكدر علي حياتي الآن التفكير الدائم في مصير هذا الطفل البريء‏.‏ ومصير الجنين الذي لم يأت الي الحياة بعد‏..‏ فماذا افعل ياسيدي‏..‏ وماذا تقول لهذه الزوجة ولأهلها الذين يناصرونها دائما ضدي‏.‏


ولكاتب هذه الرسالة اقول 



نعم ياصديقي لا أحد يطلب التعاسة لنفسه أو يرغب بصدق في حرمان اطفاله من سعادتهم‏,‏ وامانهم بين أيديهم‏,‏ لكن السعادة لا تتحقق بالتمني وحده ولا بالرغبة السلبية فيها‏,‏ وانما تتحقق كذلك بالعناء‏..‏ وبالصبر علي بعض المكاره‏..‏ والتعالي علي الصغائر‏,‏ والتحلي بالمرونة الضرورية في بعض الأوقات‏,‏ وإلا تحولت العلاقة بين كل زوجين الي علاقة صراع لا علاقة تفاعل وتحاور وتنازلات متبادلة وحرص مشترك علي حماية الحياة الزوجية من الانهيار‏.‏


بل إننا نحتاج في بعض الأوقات لكي نحافظ علي سفينة الحياة طافيه فوق سطح الماء إلي أن نستفيد من العلوم السياسية بعض قواعد فن ادارة الأزمات ونطبقها بحكمة علي حياتنا الخاصة‏,‏ ومنها ان نعرف متي نتراجع عن ارادة أو رغبه لا يؤوي التمسك المتحجر بها للنهاية إلا إلي انفجار الموقف وتقطع الخيوط بيننا وبين الآخرين‏..,‏ وأن نكون مستعدين في بعض الأحيان للقبول بالحلول الوسط بديلا عن الحلول المثلي الملبيه لكل رغباتنا وشروطنا‏,‏ وان نتجنب في بعض الأحيان الاستجابة لاستفزازات الآخرين‏,‏ ونفوت عليهم الفرصة لدفع الأمور بيننا وبينهم الي الطريق المسدود‏..‏

وما تشكو منه من مشاحنات بينك وبين زوجتك ومناصرة أهلها لها ضدك‏..‏ وما تتصوره من تحريض امها لها عليك‏,‏ ونصائحها غير الحكيمة لها بشأن التعامل معك في وقت الخلاف‏,‏ كل ذلك مما يمكن احتواؤه واصلاحه
وتخفيف آثاره السلبية‏..‏ والصبر علي مكارهه‏..‏ اذا انعقدت ارادتك وإرادة زوجتك علي إنقاذ سفينتكما من الغرق‏,‏ وإنقاذ طفلكما الصغير من الشقاء وطفلكما المقبل من المصير المجهول‏..‏ وتحديد الهدف الذي يستحق ان يسعي إليه الانسان بكل ما يملك من جهد وطاقه يؤدي به بالضرورة الي استبعاد الوسائل التي لا تعينه علي بلوغ الهدف‏..‏ وإنما في كل الوسائل التي تقربه منه‏..‏ فاذا اتفقنا علي ان الهدف الأساسي لك ولزوجتك ينبغي ان يكون هو انقاذ حياتكما الزوجية من الانهيار وطفلكما والجنين القادم من عالم الغيب مما يتهددهما من تمزق وحيرة وضياع إذا حدث الانفصال 



 بينكما‏,‏ فان ذلك يفرض علي كل منكما أن يتنازل عن كل الاهداف الصغيرة الأخري له كهدف الانتصار الرخيص في معركة قهر ارادة الطرف الآخر واملاء الرغبات وفرض الشروط وان يركز جهده علي كل ما يقرب وليس ما يفرق بينكما‏.‏
وقديما قال الأديب الانجليزي لورد جون أوبك أفبي‏,‏ ان الفشل الشريف خير من الفوز الرخيص
وتطلع كل منكما الآن في هذا الموقف المتأزم لفرض ارادته علي الآخر دون أي تنازل من جانبه وإلا وقع الانفصال ولن يكون اذا تحقق علي حساب مصير طفلكما وجنينكما


سوي فوز رخيص‏,‏ الفشل في تحقيقه أشرف كثيرا من النجاح فيه‏.‏
وفشل كل منكما الآن في املاء رغباته علي الآخر اذا كانت نتيجته الحتمية هي توصلكما معا لحل وسط واستعادة الوفاق بينكما وعودة طفلكما للحياة بينكما بلا قلاقل ولا اضطرابات هو عين الفشل الشريف الذي يحق لكل ذي قلب حكيم منكما ان يفتخر به ويحتسبه من فضائله وليس من مواقف ضعفه أو هزائمه‏.‏
ولهذا كله فاني ادعوك أنت وزوجتك وأهلها الي كلمة سواء تتوصلون معها باذن الله الي تبديد غيوم الخلاف والشقاق بينك وبين زوجتك واعادة الأمان والاطمئنان 

لحياتكما وطفلكما وجنينكما المقبل مع رجائي الحار لزوجتك إذا ما نشب بينكما في المستقبل اي خلاف ــ أن تعفي طفلكما البريء من الشهادة عليه‏..‏ وأن تؤمن مع العقلاء والرحماء من الآباء والأمهات بأن أثمن ما يقدمه أب وأم لأطفلهما ومهما يكن نوع العلاقة بينهما‏,‏ هو طفولة سعيدة خالية من الآلام‏..‏ والأحزان‏..‏ والمؤثرات السلبية الكريهة‏,‏ وليست طفولة معذبة شقية حافلة بمثل هذه الشهادات اللا انسانية‏!