الجمعة، يوليو 2

الخطأ الفادح


 
 
الخطأ الفادح

أنا مصرى أعمل بشركة بإحدى الدول العربية ، وقد شاءت لى أقداري أن أشهد عن قرب وقائع قصة أمل فى أن تساعدنى على تدارك بعض أثارها الأليمة ، فلقد وجدت فى موقع العمل الذى التحقت به منذ حوالى عام ونصف العام زميلا قديما عرفت من ظروفه أنه كان متزوجا من أحدى قريباته وأنجب منها ثلاث بنات ثم تم الطلاق بينهما وانفصل عن زوجته وجاء للعمل فى هذا البلد العربى . وبعد عام من غربته رجع الى مصر فى زيارة وتزوج من أخرى تبين فيما بعد انها كانت مسئولة عن انهيار حياته الزوجية الأولى , ورجع بها الى مقر عمله .. فى حين بقيت البنات الثلاث فى رعاية الأم التى تعمل بوظيفة صغيرة .



ويبدو أن مطلقة هذا الزميل قد ضاقت بعد ست سنوات من انفرادها برعاية البنات ببخل مطلقها عليهن .. فتنازلت له عن حضانتهن وطلبت منه أن يتكفل بهن .. واضطر الرجل للعودة لمصر وإحضار بناته للإقامة مع زوجته الجديدة وطفلها الصغير .. أما الأم فقد تقدم
لها إنسان مناسب ووجدت من حقها بعد كل هذه السنوات أن تكون لها حياتها فتزوجت .

وبعد حوالى ثلاثة أشهر فقط من ضم الأب لبناته الثلاث اليه فوجئت فى أحد الأيام بهذا الزميل يتصل بى فى الساعة السادسة صباحا ليستنجد بى لأن طفلته التى تبلغ من العمر 7 سنوات فى حالة سيئة ولا يعرف ماذا يفعل , وبالرغم من استجابتى الفورية للذهاب اليه فلقد تعجبت لماذا لم يستنجد بزملائه المقيمين الى جواره مباشرة بدلا من ضياع الوقت الذى يستغرقه حضورى من سكنى على بعد 15 كيلومترا ولكنى كتمت تساؤلى وتوجهت اليه وفى البيت استقبلني هذا الزميل وزوجته فى وجوم .. ولا أغالى إذا قلت أيضا وفى برود .. وقادنى الى طفلته .. فلم أكد ألقى عليها النظرة الأولى حتى أدركت على الفور أنها فى رحاب الله . وطلبت منه التوجه معى الى الشرطة لإبلاغها بالامر .. لكنه طلب أن نتوجه بها للمستشفى أولا عسى أن يكون هناك أمل فى إسعافها . واستجبت لرغبته وحملنا الطفلة الى المستشفى فلم يكد يراها الطبيب حتى تساءل باستنكار عما دعا الأب لأن يتأخر فى إحضارها الى هذا الحد .. وسأله عما حدث .. فروى الرجل أن طفلته قد سقطت من فوق السلم المتحرك فى أحدى الأسواق التجارية الكبرى فى مساء اليوم السابق


.

وأنها بكت بعض الوقت ثم لم تشك شيئا بعد ذلك فرجعوا بها الى البيت قرب منتصف الليل واستسلمت للنوم فى هدوء , وفى الثالثة صباحا استيقظ من نومه ودخل غرفتها فوجدها بين الحياة والموت ولم يقتنع الطبيب بالقصة التى سمعها من الأب .. وتعجب لماذا انتظر من الثالثة حتى السادسة صباحا لكى يتصل بأحد زملائه ويطلب عونه بدلا من أن يهرول بها على الفور الى أقرب مستشفى وتم إبلاغ الشرطة . وانخرط الأب فى البكاء والعويل .. وانتهى الأمر بحفظ التحقيق وتشييع الطفلة الى مثواها الأخير .

 
وترواحت مشاعرى أنا بين الشك فى هذا الاب .. وبين الرثاء له .. ثم شغلتنى هموم الحياة عن القصة كلها .. فإذا بتطور جديد يطرأ عليها , ذلك ان إدارة المدرسة التى تدرس بها الابنة الكبرى لاحظت مجيئها اليها أكثر من مرة وفى وجهها آثار كدمات وبقع زرقاء , فبدأت تسألها عن هذه الآثار وبعد شئ من الضغط عليها إذا بل لابنة التى تدرس بالصف الأول الثانوى تنفجر وتروى لإدارة المدرسة أن أباها يضربها كثيرا وبوحشية هى وأختها بتحريض من زوجته .. وأن أختها الصغرى التى ووريت الثرى منذ بضعة شهور لم تسقط من فوق السلم المتحرك كما زعم أبوها فى روايته . وروت التفاصيل المؤلمة فقالت إن أباها قد ضرب طفلته الصغيرة بقسوة شديدة عقابا لها على خطأ فادح أرتكبته .





. وان الطفلة كانت تجرى منه فى الغرف خلال ضربه لها فاستثار ذلك حمقه وغيظه فأمسك بها ورفعها الى فوق مستوى رأسه ثم ألقاها على الأرض بقسوة .. وسقطت الطفلة تولول ثم نهضت لتجرى فلم يكتف بذلك وإنما عاد للإمساك بها من جديد وهى تصرخ و تولول وتستعطف أباها وترجوه وتقسم له قائلة (( حرمت يا بابا والله حرمت يا بابا )) فلم يعفها ذلك من وحشيته ورفعها الى ما فوق رأسه ثانية وألقاها على الأرض بنفس القوة , فازدادات صراخا وبكاء 



واستعطافا .. فلم يرق لها قلبه وأمسك بها للمرة الثالثة وألقاها على الأرض من نفس الارتفاع فلم تنهض الطفلة من الأرض هذه المرة وإنما راحت فى إغماءة أو غيبوبة .. وحل الصمت الكئيب المكان .. والأختان تشهدان هذا الموقف الرهيب خائفتين باكيتين صامتتين عاجزتين عن كل شئ .. فيحمل الرجل وزوجته الطفلة ويلقيان بها فى البانيو ويفتحان عليها المياه لكى تفيق من إغماءتها فلا تفيق , فيحملانها الى الفراش ويدعانها فيه تتشنج من حين لآخر وتقاوم المصير المحتوم الى أن تلفظ أنفاسها الأخيرة شاكية الى ربها ما لقيته من ظلم , والأعجب من ذلك أن الأب تركها تقاوم مصيرها من السابعة مساء حتى أذن الله لروحها الطاهرة بأن تهدأ الى جواره فى حوالى الساعة الثالثة صباحا 



, وهنا فقط أدرك خطورة الموقف وخشى أن يستنجد بزملائه فى العمل المقيمين الى جواره لإطلاعهم بحكم الجوار على سوء معاملته لبناته وضربه لهن خاصة للطفلة الصغرى بسبب مشاكساتها المستمرة مع أخيها الأصغر فأراد أن يستشهد على أمره زميلا آخر لا يعرف من سيرته الكثير .. فكنت لسوء الحظ هذا الزميل , أما (( الخطأ الفادح )) الذى ارتكبته هذه الطفلة المسكينة ولقيت عليه هذا العقاب الوحشى فهو أنها قد تجرأت ودخلت الحمام لتقضى حاجتها فى غير الموعد المحدد لها من زوجة الأب وبذلك فقد خرقت النظام الموضوع للبيت واستحقت العقاب . ولان الله سبحانه تعالى قد يمهل لكنه أبدا لا يهمل فقد أخذت الأمور بعد ذلك مجراها العادل .. وأيدت الابنة الأخرى ماقالته أختها وتم القبض على الزميل والتحقيق معه واعترفت زوجته عليه وثبتت التهمة عليهما معا وأودعا السجن منذ أسابيع وبقيت الفتاتان بلا عائل أو مأوى لبعض الوقت حتى تمت إعادتهما للقاهرة .

ولكاتب هذه الرسالة أقول :





يا إلهى .. لكم تقسو الحياة أحيانا على بعض النفوس البريئة !
أتوءد طفلة صغيرة فى السابعة من عمرها لأنها خالفت نظام البيت ودخلت الحمام فى غير الوقت المخصص لها لقضاء حاجة ألحت عليها ولا تعرف بالأنظمة أو المواعيد ! من أى حجر أصم قُدٌ قلب هذا (( الأب )) الوحشى فلم يرق لهذه الطفلة الضعيفة وهى تستعطفه وترجوه وتقسم له صادقة أنها لن ترجع أبدا الى ارتكاب مثل هذا الخطأ الفادح !

وأين كانت أبوته ورحمته وإنسانيته وهو يرفع طفلته الصغيرة الى ما فوق مستوى رأسه ويلقى بها على الارض بقوة .. فإذا نهضت باكية وجرت محاولة النجاة من مخالبه , طاردها بإصرار كما يطارد الصائد فريسته ورفعها من جديد وقذفها الى الارض من عل مرة ثانية وثالثة بين عويل الطفلة الضحية .. ونحيب الفتاتين الخائفتين الى جواره ؟

وبماذا شعر هو بعد أن حقق هذا ((الانتصار )) العظيم على هذه الطفلة الضعيفة ونجح فى أقنتاصها .. ومنعها من الفرار .. وتنفيذ حكمه الجائر فيها ؟ وماذا سيقول حين يقف أمام رب العرش يوم العرض العظيم


(( وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت )) .
 وأى عقاب يمكن أن يشفى قلب من وجده على مثل هذا الأب القاتل ؟ وأى مفارقة تستحق التأمل حين تسخو الأقدار على بعض الآباء بنعمة الأبناء فلا يحفظونها ولا يعرفون لها قدرها ويحيلون حياة أبنائهم الى جحيم كما فعل مثل هذا الأب الذى لا يستحق لقب الأبوة .. فى الوقت الذى يتلهف فيه غيرهم من البشر المحرومين على من يرجون أن يفيضوا عليهم برحمتهم وحنانهم ورعايتهم الى آخر العمر .
لقد أحسنت سلطات تلك الدولة العربية صنعا حين سجنت مع هذا الأب القاتل .. زوجته وحاسبتها معه على جريمة وأد هذه الطفلة الصغيرة , فلقد قتلتها معه بغير أن تمد اليها يدا .. بالتحريض عليها ومباركة ما يفعله بها .. وتقاعسها عن إنقاذها من بين يديه وهو فى عنفوان حمقه وثورته واستسلامه لشياطينه ونزعاته العدوانية ضدها وبذلك فإنها تكون قد تآمرت بالفعل مع زوجها على قتل هذه الطفلة حتى ولو لم تمسها بيدها .. ليس فقط بتحريضه على إيذائها وإنما أيضا بالصمت على
ما فعله بها
والنكوص عن رده عما يفعله , ولقد كان فى مقدورها لو أرادت أن توقفه فى الوقت الملائم قبل أن يفلت الزمام من يده .

لقد قال أحد الحكماء أن مؤامرة الصمت هى أسوأ أنواع المؤامرات لأنها تعنى إعانة الظالم على ظلمه بالصمت على ما يفعله ..وتعنى فى الوقت نفسه محاولة التنصل من المسئولية . المشاركة فى الجريمة وادعاء عدم المساهمة فيها . فى حين أن الصمت عن الخطأ قد يعادل فى بعض الأحيان المشاركة فى ارتكابه .
ولاشك فى أن هذه المرآة لم تكن خير صاحب لزوجها وإلا كانت قد أنقذته هو أولا من نفسه وأنقذت هذه الطفلة البريئة ثانيا من هذا المصير المؤلم .

وفى الحديث الشريف أن (( خير الأصحاب من إذا ذكرت الله عنده أعانك وإذا نسيت الله ذكرك , وشر الأصحاب من إذا ذكرت الله عنده لم يعنك وإذا نسيت الله لم يذكرك )) و هذه المرآة لم تذكر زوجها بربه حين نسيه .. وشاركته محاولته لإخفاء آثار الجريمة بعد ارتكابها .. وواصلت تحريضها له على ابنتيه , فكان فى ذلك مقتلها هى وزوجها حين أنكشف الأمر الذى جاهدا لإخفائه بافتضاح آثر تعذيبه لابنته الكبرى , وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون .. ولا عجب بعد ذلك فى أن تعترف على زوجها وتثبت عليه جريمته ولا غرابة فى أن تحاول النجاة بنفسها على حساب رفيقها لأن من كانت هذه هى أخلاقياتها وعصفها بمن وضعتهن الأقدار تحت رحمتها لا يستغرب منها أن تخذل زوجها فى الموقف العصيب وتتخلى عنه .

عفوا لشرودى بعيدا عن مطلبك الأساسي من هذه الرسالة وأرجو أن أطمئنك الى أن (( بريد الأهرام )) سوف يتولى بإذن الله أمر هاتين الفتاتين الحائرتين ويفتح لهما قلبه وذراعيه الى أن يقضى الله أمرا كان مفعولا .. وشكراً لاهتمامك بأمرهما وسعيك لإنقاذهما والسلام .


 
رد مع اقتباس

رحلة النجاح