الجمعة، أكتوبر 9

النوافذ المغلقه

بريد الاهرام نشر هذة الرسالة في السنه 123-العدد 40961الجمعه 29 يناير‏1999 ‏12 من شوال 1419 ه
ليست رسالتي هذه عن مشكله شخصيه لي وانما عن قصه انسانيه مولمه لم اعاصر بداياتها‏..‏ ولكني شهدت اثارها البشعه وتالمت لها‏..‏ فانا طالب باحدي الكليات العمليه‏,‏ وامر كل يوم في طريقي من بيتي لركوب وسيله المواصلات التي تحملني الي كليتي علي منزل صغير قديم بحي عين شمس له حديقه ذات باب حديدي صديء تظهر من خلال فتحاته اطلال حديقه تمتليء بالاشجار واصص الزهور والتكعيبات الخشبيه التي تتسلق عليها النباتات المختلفه‏,‏ ولقد لفت نظري من خلال مروري بهذا البيت يوما بعد يوم ان الحديقه رغم اشجارها وزهورها وتكعيباتها ميته وان اوراق الشجر والزهور قد جفت بسبب نقص الماء فيما تصورت‏,‏ ثم شاهدت صاحبه هذا البيت او المقيمه فيه فرايتها سيده نحيله وهزيله الجسم للغايه وشاحبه الوجه وتعبر قسماتها بغير كلام عن كل ماتعاني منه‏..‏واثارت هذه السيده النحيله وحديقتها الميته فضولي فسالت عن قصتها وعرفت انها تعيش في هذا المنزل وحيده‏,‏ وانها ارمله لمهندس زراعي كان يعاني من مشكله في الانجاب‏,‏ فلم يرزقا باطفال‏,‏ وعوض هو افتقاد الاطفال في حياته بتركيز كل اهتمامه ووقته للعنايه بهذا البيت وتجميله ورعايه الحديقه وزراعتها وتنسيقها‏,‏ وكان بالرغم من ذلك بخيلا ومقترا علي زوجته فلا يعطيها ايه نقود بالمره‏,‏ وانما ياتي هو بمتطلبات البيت اولا باول ويحاسبها ويدقق معها بشده في نفقات المعيشه‏,‏ واستمرت حياتها معه علي هذا النحو لمده‏12‏ عاما‏,‏ ثم حدث ان صدمته سياره مسرعه وهو يعبر الطريق فتوفي علي الفور‏,‏ وشيع الي مثواه الاخير وبكته ارملته كثيرا‏..‏ وفقدت بفقده رغم كل شيء الرفيق والشريك والسند الوحيد في الحياه‏,‏ فلم تكد تمضي بضعه ايام علي وحدتها في هذا البيت‏,‏ حتي كشف لها اخوه زوجها عن حقيقه مذهله‏..‏ هي انها ليست ارمله شقيقهم الراحل‏,‏ وانما هي مطلقته‏..‏ وبالتالي فلا حق لها في شيء من ميراثه او معاشه‏,‏ او في البقاء في البيت الخالي بعد وفاته‏!!‏ وقدم لها الاخوه وثيقه طلاق تثبت طلاقه لها بالفعل قبل ثلاث سنوات من رحيله عن الحياه‏..‏ وصدمت السيده صدمه مزلزله‏..‏ وتساءلت مع اي رجل كانت تعيش وقد كان حتي وفاته يحيا معها حياه زوجيه كامله؟‏!‏وبعد الصدمه المروعه والجرح النفسي الغائر‏,‏ بدات رحله المعاناه للمطالبه بحقوقها عن طريق القضاء وطعنت بالتزوير في وثيقه الطلاق‏,‏ فاذا بتقرير الخبير يثبت صحتها‏,‏ واسقط في يد الارمله الحائره‏..‏ ونتج عن اثبات صحه وثيقه الطلاق حرمانها من ايه حقوق لها في الميراث عن زوجها وفي المعاش كذلك‏..‏ واخذت المحكمه تقديرا لظروفها بشهاده جيرانها الذين تطوعوا للشهاده لصالحها واكدوا جميعا انها كانت حتي اليوم الاخير من حياه زوجها تعيش معه في بيته حياه زوجيه طبيعيه بلا مشاكل ولا ازمات‏,‏ وانها لم تعرف ابدا ولم يعرف احد من الجيران انه قد طلقها‏..‏ ولم يشر حالهما اطلاقا الي انهما مطلقان او منفصلان‏,‏ فقضت لها المحكمه رافه بحالها بالبقاء في منزل الزوجيه‏,‏ وكفت ايدي اخوه الزوج عن التصرف في البيت طوال حياتها‏,‏ ورفضت الدعوي التي اقامها عليها الاخوه لطردها منه‏.‏وهكذا واجهت هذه السيده الحياه بعد رحيل زوجها‏..‏ وهي تقيم في بيت لاتملك طوبه واحده منه ولا حق لها عليه‏..‏ وبلا اي ميراث او معاش وبلا مدخرات ولا اقارب يتكفلون بها‏..‏ وعلي عكس مايفعله الزوج الطيب الذي يرحل عن الحياه فيترك لزوجته الذكريات الجميله وما يقيم اودها ويقيها شر الحاجه‏,‏ فلقد رحل هذا الزوج عن الحياه تاركا لها الاحساس المر بالدنس والعار‏,‏ والحاجه‏,‏ مما يجعلها كما علمت تلعنه في كل صلاه ومع كل اذان بدلا من ان تترحم عليه‏!‏وشيئا فشيئا نفد كل ماكانت تملكه من مصاغ قليل باعته لكي تسد بثمنه رمقها‏,‏ وانعكس حالها المولم علي حال الحديقه التي كانت زاهره‏..‏ فتماثل الاثنان في المحنه وغدر الايام بهما فهزل جسم السيده‏,‏ وجفت دماء الحياه فيها تدريجيا من اثر سوء التغذيه‏,‏ وذبلت اشجار الحديقه وجفت اوراق اصص الزهور وماتت النباتات المتسلقه لقله الماء ونقص الرعايه‏,‏ فلقد تراكمت علي هذه السيده فواتير الماء والكهرباء‏,‏ حتي انتهي الامر بقطعهما عنها نهائيا منذ عده سنوات‏,‏ ومنذ ذلك الحين والسيده تعيش في ظلام دامس وبدون قطره ماء‏..‏ ووهنت قواها حتي لم تعد تقوي علي فتح نوافذ البيت كل فتره لتهويته‏,‏ فيظل مغلق الابواب والنوافذ دائما وكانه مقبره‏,‏ وشكت السيده من الام مبرحه في قدميها حتي كادت تعجزها عن الحركه‏,‏ ولقد يمر عليها اليوم واليومان والايام الثلاثه دون ان تقوي علي فتح نوافذ بيتها‏,‏ ناهيك عن ان تجد مايقيم اودها‏..‏ ولك ان تتخيل ياسيدي ان هذه السيده رغم كل ماتعانيه‏,‏ فان ما اعطيه لها من ماء قليل كل فتره او يعطيه لها جيرانها‏..‏ فانها تستخدمه في النظافه والوضوء‏,‏ ولا تشكو حالها لاحد سوي لربها‏,‏ وفي كل مره اذهب فيها اليها حاملا اليها بعض الماء اتعجب لاحتمالها لكل هذه الاهوال وبصبرها العظيم علي هذا الابتلاء حتي لادير وجهي عنها لكيلا تري دمعي‏..‏ وادعو الله العلي العظيم ان يرفع عنها هذا البلاء‏..‏ لقد كتبت اليك هذه الكلمات لعجزي عن ان افعل لهذه السيده المزيد وارجو ان تصل هذه الكلمات الي من بيده ان يرفع عنها بعض هذه المعاناه‏..‏ مع رجاء العلم بان هذه السيده تحتاج الي من ينتقل اليها لبحث حالتها‏..‏ لانها لاتقوي علي الخروج من شده الهزال وضعف الصحه وانعدام العنايه الطبيه‏.‏ والسلام عليكم ورحمه الله وبركاته‏..‏
ولكاتب هذه الرساله اقول
قد وصلت الرساله بالفعل الي مالك الملك ومن بيده ملكوت كل شيء سبحانه فجرت مشيئته عز شانه بان ترجع الكهرباء الي المنزل المظلم المقبور‏..‏ والماء المقطوع الي الحديقه العطشي والاشجار الجافه والاصص الخابيه‏,‏ وتنفتح نوافذ هذا البيت المغلقه ويتجدد هواوه‏,‏ وتسترد سيدته دماء الصحه والعافيه بامر ربها ومشيئته وهو الرحيم العليم‏,‏ فلقد سمع الله جل في علاه نجوي هذه السيده لربها وهياك لنقل الرساله الي واكرمنا بتسخير بريد الجمعه لانفاذ مشيئته برعايه هذه السيده الوحيده والتكفل بامرها‏,‏ وتوفير الحياه الكريمه والرعايه الصحيه اللازمه لها‏,‏ ولسوف تزورك خلال ساعات الاخصائيه الاجتماعيه لبريد الجمعه لتصطحبها لزياره هذه السيده في بيتها وحل مشكلتها بما يحفظ عليها كرامتها ويقيها شر الحاجه ومذله السوال باذن الله‏..‏ فهي ممن عناهم الحق سبحانه وتعالي بقوله يحسبهم الجاهل اغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لايسالون الناس الحافا‏273‏ البقره‏.‏وهولاء هم الاحق بالرعايه والعطاء‏,‏ لانهم عاجزون نفسيا عن سوال الغير ولو كانت بهم خصاصه‏,‏ ولقد تعتصر الحاجه احدهم فلا يطيعه لسانه في الطلب‏,‏ او الشكوي لغير ربه‏,‏ ولهذا امرنا بان نتحري هولاء في مواقعهم وخلف استارهم التي يستترون وراءها بعوزهم عن الغير وبان نبادرهم بالعطاء بغير طلب ونترفق بهم ونشعرهم بحقهم علينا‏..‏ ونكفيهم مئونه السوال‏,‏ ونتحري حفظ كرامتهم والستر عليهم بما نقدمه لهم‏,‏ ولولا اني قد اردت ان يشاركني قراء هذا الباب في قصه هذه السيده ليستفيدوا بدروسها المولمه ويطلعوا علي وجه اخر من وجوه النفس البشريه الملغزه‏,‏ لما نشرت رسالتك هذه ولبادرت بارسال الاخصائيه الاجتماعيه اليك علي الفور بغير نشرها‏,‏ لكن كيف كان لنا ان نعلم عن النفس البشريه وشحها وبخلها وحساباتها الدنيويه الحقيره في بعض الاحيان ما علمناه من هذه القصه المحزنه لو كنت قد عزفت عن نشرها‏..‏لقد تحيرت طويلا في فهم الاسباب التي تدعو رجلا يشارك زوجته الحياه تحت سقف واحد وترضي هي بحياتها معه رغم حرمانها من الانجاب‏,‏ وبخله معها وتقتيره اليها‏,‏ لان يطلقها سرا ويتكتم عنها امر هذا الطلاق فلا تعلم به في حينه‏,‏ ثم يواصل حياته معها كزوجين يجمعهما فراش واحد‏,‏ وحياه مشتركه‏,‏ ويرضي هو لنفسه بهذا الوضع الاثم ويقبل بهذا الخفا علي زوجته متحملا عنها وزره الكامل لانها لاتعرف به ويعلم به ايضا اخوته فلا ينهونه عنه‏,‏ ولا يحثونه علي تصحيح وضعه الشائن ووضع هذه السيده الضحيه‏,‏ ولا يبرئون ذمتهم من اثم المشاركه بالصمت في خداع هذه السيده والقبول بالخنا لها ولاخيهم‏,‏ ثم يرحل عن الحياه فجاه فاذا بهولاء الاخوه يشهرون في وجه ارملته وثيقه طلاق عمرها ثلاث سنوات ويسعون لطردها من بيت اخيهم وحرمانها من ميراثه ومعاشه‏,‏ بغير ان يتوقف احدهم ويسائل نفسه‏:‏ كيف رضي بان يعلم عن اخيه انه يعاشر من تحرم عليه معاشرتها بغير ان يبرئ ذمته من اثمه بنصحه او علي الاقل باعلام هذه السيده بما علم به لتري رايها في حياتها معه‏,‏ ويبرا هو من حقها عليه؟‏..‏ واي شيء من متاع الحياه يستحق ان يشارك انسان اخاه بالصمت الشائن علي مثل هذا الدنس الذي ينكره الشرع والدين والقانون؟‏..‏ لقد فكرت طويلا في دوافع هذا الرجل لما فعل‏,‏ فلم اجد له تفسيرا سوي بخله الذي تمكن منه حتي صبغ نظرته الي كل شيء في الحياه بالصبغه الماديه الكريهه حتي ولو كان ذلك غفر الله له علي حساب الحق والعدل والفضائل الدينيه والاخلاقيه‏.‏هژںه¸–هœ°ه‌€: منتدى نور الدنيـا [عزيزي الزائر يتبقى لديك خطوة واحدة لتتمتع بجميع خواص المنتدى . ]فلقد كره الرجل ان تشاركه السيده التي تقاسمه حياته في شيء من املاكه او معاشه او ماله وهو علي قيد الحياه وبعد رحيله عنها‏,‏ وكره ان تنازع اخوته بعد وفاته في ملكيه البيت الذي يملكه ويبدو ان لاخوته نصيبا منه بالميراث عن الاب‏,‏ فطلق زوجته وتحايل علي عدم ابلاغها بذلك‏,‏ وتستر عليه في هذا الاثم الشائن اخوته طلبا لمتاع الدنيا الرخيص‏,‏ وواصل حياته معها في الدنس والاثم مقدرا فيما يبدو انه سيطول به العمر وقد ياتي الوقت الذي يراه هو مناسبا لاخراج هذه الزوجه من حياته بغير ان يتكبد دفع ايه حقوق ماديه لها لفوات المواعيد القانونيه للمطالبه بنفقه المتعه والنفقه الشرعيه وموخر الصداق‏,‏ فيكتفي بوحدته في المنزل والحديقه اللذين يكرس فيهما كل اهتمامه‏..‏ او لعله يستبدل بزوجته اخري اقل نفقه من سابقتها اذا رغب في ذلك‏,‏ فاذا بمكره يخيب واذا باقداره تسبق كل مكره وتدبيره ويرحل عن الحياه تاركا وراءه كل شيء للاخرين ومخلفا الزوجه التي عاشرها سنوات طوالا لاتدري اكانت ارملته ام مطلقته ولا تجد ماتواجه به الحياه‏,‏ وتعاني مما تشعر به من احساس غائر بالاثم لغدره بها ومعاشرته لها بغير زواج لثلاث سنوات قبل الوفاه‏..‏ وكل ذلك لكي لاتنازع اخوته في حصه محدوده من بيت صغير وحصه بائسه من معاش هزيل مهما بلغ قدره فاي اثم‏..‏ واي مكر حقير؟‏!‏يا الهي‏..‏ انني لم استطع حتي الان برغم خبره السنين ان افهم هذا التناقض الغريب بين ضن رجل كهذا الرجل علي زوجته بان ترث حقها المشروع في حاله بعد الرحيل مما يقطع بشحه وبخله الفاضح وعدم عدالته‏,‏ وبين هذا الاحساس العائلي المفترض فيه ان يكون من الفضائل بشرط العدل والذي يدفع مثل هذا الرجل لايثار اخوته بميراثه دون زوجته فهل يستطيع احد ان يفسر لي هذا التناقض الغريب بين المنع للزوجه والايثار للاخوه‏,‏ وهما نقيضان تناقض المنع والعطاء ولا يجتمعان في النفس الشحيحه الا نادرا؟‏..‏ ام تري ان هذا الرجل لم يكن يضع حتي اخوته في حساباته‏,‏ وكان مطمئنا الي الدنيا والي انه سوف يعمر طويلا فينفرد فيها دون زوجته والجميع بماله واملاكه الي ما لانهايه؟‏!‏فلندع اذن امره لخالقه‏,‏ ولنفكر معا في كيفيه تعويض هذه السيده المتعففه عما تعرضت له من عناء كاد يقضي عليها في وحدتها‏..‏ كما قضي من قبل علي اشجار حديقتها وزهورها ونباتاتها‏..‏ وشكرا علي رسالتك الكريمه هذه‏..‏ وارجو الله ان يجزيك عنها خيرا كثيرا في حياتك ومستقبلك باذن الله والسلام‏..‏