الجمعة، يوليو 3

الوداع الاخير

هذه هي المرة الثانية التي أكتب إليك فيها‏..‏ فقد كانت المرة الأولي في عام‏1984,‏ وكنت استشيرك في رأي معين عن خطيبي وكانت خلاصة ردك علي حينها هو أنه من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر‏,‏ وبناء علي هذا الرأي تزوجت خطيبي وعشنا معا حياة طيبة فيها ككل حياة الحلو والمر‏,‏ وأكرمني الله سبحانه وتعالي بإنجاب ثلاثة أبناء‏,‏ الأكبر كان المفترض أن يكون الآن في الصف الثاني الثانوي والابنة الوسطي في الصف الثاني الاعدادي والابن الأصغر في الصف الثالث الابتدائي‏,‏ كما أكرمني ربي بحياة كريمة مع زوجي وشقة تمليك وسيارة للأسرة ومبلغ لا بأس به في البنك وأكتملت السعادة بشراء شقة في الساحل الشمالي‏.‏وبلغ ابني الأكبر الخامسة عشرة من عمره‏..‏ وامتاز دائما بالأخلاق الحسنة وجمال الخلقة وبأنه أيضا عبقري في الكمبيوتر وكثير القراءة والإطلاع‏,‏ ومنذ أكثر من شهرين طلب ابني هذا منا السماح له بالسفر مع ثلاثة من أصدقائه لقضاء يومي الخميس والجمعة في شقة الساحل الشمالي‏..‏ ورفضنا ذلك‏,‏ خوفا عليه‏,‏ لكنه ألح علينا بطلبه بحجة توديع الصيف الوداع الأخير‏..‏ قبل انتهائه والتهيؤ للعام الدراسي الجديد فوافقنا علي مضض‏,‏ وسافر ابني مع أصدقائه وهم في مثل عمره‏,‏ وأمضوا الليل في الشقة وصباح يوم الجمعة ذهبوا إلي الشاطيء للاستحمام‏,‏ وكان الموج عاليا في ذلك اليوم‏..‏ فتعرض ابني وأصدقاؤه لخطر الغرق وعجزوا عن العودة للشاطيء‏..‏ وتشبثوا ببعض الصخور ثم استطاع ابني أن ينجو ويخرج إلي الشاطيء ليستنجد بالناس لإنقاذ أصدقائه لكننا كنا في نهاية الصيف وليس بالشاطيء أحد من المنقذين‏..‏ فرجع إلي البحر مرة أخري لمحاولة إنقاذ أصدقائه‏..‏ وكان اثنان منهم يحتميان بالصخور الموجودة في البحر‏..‏ والثالث يغطس ويقب فاقدا القدرة علي المقاومة‏,‏ فذهب ابني إليه لينقذه لأنه يجيد السباحة لكن القدر أراد له غير ذلك‏,‏ فغرق ابني وصديقه ونجا الآخران‏..‏ وأبلغوني بالخبر فلم أقل سوي‏:‏ اللهم إنا لا نسألك رد القضاء ولكن نسألك اللطف فيه‏,‏ وظل ابني في البحر يومي الجمعة والسبت وأخرجوه يوم الأحد بعد أن وجدوه محشورا بين الصخور‏,‏ وتم إخراج صديقه ودفن كل منهما في مقابر أسرته‏.‏ولقد كتبت لك هذه المرة لأطلب منك أن تدعو لي الله سبحانه وتعالي بمزيد من الصبر لأني والحمد لله يملأني الصبر والإيمان ولا بأس بالاستزادة منهما‏..‏ وهذا قضاء الله وقدره ونحن نسلم به‏,‏ بل إني سأذكر لك فضل موت ابني علي وعلي زوجي‏,‏ فإني سيدة في الثامنة والثلاثين من عمري ولقد كنت أحافظ دائما علي الصلاة لكني لم أكن أواظب علي صلاة الفجر‏,‏ وبعد رحيل ابني حرصت كل الحرص علي صلاة الفجر حاضرا في ميعاده والدعاء لابني الراحل ولأبنائي وزوجي ونفسي‏,‏ أما زوجي الذي يبلغ من العمر‏50‏ عاما وفيه كل الصفات الطيبة من كرم وأخلاق حميدة ووفاء بالعهد والوعد‏,‏ فقد كان‏,‏ وبالرغم من كل محاولاتي السابقة معه‏,‏ لا يؤدي إلا صلاة الجمعة فقط‏,‏ ومنذ وفاة ابننا أصبح يحافظ علي جميع الصلوات في مواعيدها وهكذا نظرت إلي وفاة ابني بالرغم من حزني الشديد ودموعي الغزيرة التي تنهمر عليه‏..‏ فشكرت الله سبحانه وتعالي علي كل حال‏..‏ وقلت لعله الخير الذي لا أعلمه‏,‏ ولعل هذه هي الرحمة الكبيرة من عند الله لكننا لا نعلمها‏,‏ وزوجي يشاركني هذا الصبر وهذا الإيمان ونحن الاثنين نحتسب هذا الابن الغالي عند الله‏..‏ فهو لنا في الجنة ولسوف نذهب إليه حين يجيء الميعاد وأدعو الله عز وجل أن يعوضني في مصيبتي ويخلفني خيرا منها ويبارك لي في أولادي الباقين ويجعلهم من السعداء والمنتفعين بالصحة والعافية‏..‏ وفي نهاية رسالتي أعرفك بأنني وزوجي سنذهب للعمرة وقضاء العشر الأواخر من رمضان في الأراضي الحجازية ولسوف نسعد بزيارة بيت الله الحرام وبزيارة الحبيب المصطفي صلي الله عليه وسلم‏,‏ ولك التحية من أم صابرة مؤمنة بقضاء الله‏..‏والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته‏.‏
ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏:
‏دعيني أروي لك ياسيدتي قصة زاهد البصة مالك بن دينار ورؤياه التي حفظتها لنا كتب التراث لعلها تخفف عنك بعض أحزانك‏,‏ فلقد روي الرواة أنه قبل أن يختار طريق الصلاح والزهد والورع‏,‏ كان في شبابه شرطيا يصيب من الخطايا مايصيبه غيره من البشر‏,‏ ثم تزوج وأنجب طفلة جميلة فتعلق بها تعلقا شديدا وبدأ يفكر في أن يصلح نفسه من أجلها وقبل أن يفعل ذلك اختطف ملاك الموت الطفلة الصغيرة وعمرها عامان‏..‏ فحزن عليها حزنا شديدا‏..‏ وانغمس فيما كان يفعل أكثر من ذي قبل‏..‏ إلي أن نام ذات ليلة مخمورا فرأي في نومه وكأن القيامة قد قامت وسيق الناس وهو منهم إلي ربهم‏..‏ فسمع خلفه زفيرا كفحيح الأفعي‏,‏ وإذا بتنين ضخم يرسل الموت من عينيه الحمراوين وقد فتح فاه وجاء إليه مسرعا ليلتقمه فحاول الفرار منه جاهدا والتنين يلاحقه ويكاد يطبق عليه‏,‏ ونظر حوله مستغيثا فرأي شيخا ضعيفا فاستنجد به ان ينقذه من الوحش الذي يطارده فاعتذر له الرجل بضعفه وشيخوخته‏..‏ ونصحه بالفرار إلي الجبل‏,‏ فجد في الهرب إليه والتنين يلاحقه‏,‏ فإذا بطفله صغيرة تقفز من شقوق الجبل وتمد يدها الصغيرة إليه فترفعه إليها‏..‏ وتمد يدها هي الأخري إلي التنين العظيم فتبطش به فيولي هاربا‏,‏ ويتطلع إليها الرجل مبهور الأنفاس فيراها طفلته الصغيرة الحبيبة تنظر إليه في عطف وعتاب ثم تقول له‏:‏ ياأبتي ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ومانزل من الحق‏.‏فيبكي بين يديها نادما ويسألها عن هذا التنين الذي أراد هلاكه وذاك الشيخ الضعيف الذي عجز عن إنقاذه فتجيبه بأن التنين الضخم هو عمله السوء‏..‏ والشيخ الضعيف هو عمله الصالح‏,‏ ولقد أضعفه فضعف عن أن يجيره‏..‏ ولولا ان كانت له طفلة قد أحبها وافتقدها حين رحلت عن الحياة لما وجد من ينقذه من سوء المصير‏.‏فكانت هذه الرؤيا هي فصل الخطاب في حياته‏,‏ فأقسم ليرجعن القوة والشباب الي ذلك الشيخ الضعيف حتي إذا استجار به في قادم الأيام أجاره وأنقذه مما يتهدده‏,‏ ومضي الي حلقة سيد البقية من التابعين في زمنه وهو الحسن البصري بالمسجد فإذا بالشيخ يتلو الآية الكريمة‏:‏ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ومانزل من الحق ويفسرها للحاضرين فأرتجت الأرض من تحته وأدرك أنه وضع قدميه علي أول الطريق‏.‏وتاب علي يدي الشيخ الجليل توبة صادقة ولزمه‏,‏ وراح يردد دائما شعار الشيخ الذي يقول الآن قبل ألا يكون آن ويجتهد في الطاعات وتحصيل العلم ليكفر عن الخطايا قبل فوات الأوان‏,‏ وقال إنه قد علم من فعل الشيخ وقوله أن حقيقة الدين هي كبرياء النفس علي شرها وظلمها وشهواتها‏,‏ وان هذه الكبرياء القاتلة للإثم هي أخت الشجاعة القاتلة للعدو‏,‏ وكما يفخر الرجل الشجاع بما بلغه من الشجاعة‏..‏ يفخر الرجل المؤمن بما بلغه من الإيمان‏,‏ وماخشوع القلب إلا هذه الكبرياء بعينها‏..‏ فهل تحتاجين ياسيدتي إلي نفسير لمغزي هذه القصة ؟لا أحسب ذلك‏,‏ فالحق ان الله سبحانه وتعالي أكرم من أن يضيع عنده الإحسان‏,‏ ولقد أحسنت الامتثال لقضاء الله وقدره وتقبلت تصاريفه بقلب صادق الإيمان ونفس صابرة‏..‏ وزدت الشيخ القوي قوة وشبابا بصبرك واحتسابك وعملك الصالح‏,‏ وحرصك علي فروض دينك‏..‏ كما أن من كان لك في الدنيا سرورا قد أصبح لك في الآخرة أجرا عظيما وظهيرا قويا يرد عنك يد التنين إذا حاولت المساس بك ويراغم الملائكة ألا يدخل الجنة إلا وأبواه معه كما جاء في الأثر‏,‏ فإذا كانت النفس تجزع لفراق ثمرات القلوب ويهتف القلب مع الشاعر العربي‏:‏اقره عيني لو فدي الحي ميتافديتك بالحوباء أول من يفديفإن عزاء كل ثاكل حزين هو ماينتظره عند ربه من جزاء المحتسبين الصابرين‏..‏ وماينزل عليه سبحانه وتعالي من سكينة القلب وسلام النفس ويعوضه به ربه من خير عميم في نفسه وأبنائه وأسرته بإذن الله‏.‏