الجمعة، يونيو 19

عشرة عمر

أعرف أن قصتى غريبة ويندر حدوثها لكنها الحقيقة المرة التى أعيشها والتى أريد لنفسى مخرجا منها ، فمنذ 11 عاما تزوجت من زميل لى عقب تخرجنا من الجامعة وبعد قصة حب عنيفة توجها الله بالزواج ومنذ اليوم الأول من زواجنا كنت لزوجى الحبيب الزوجة والأخت والأم التى تحنو على طفلها المدلل وكان اتفاقنا منذ البداية هو أن نسرع بالإنجاب لأن زوجى يحب الأطفال ويتلهف على الإنجاب ، وطرت فرحا حين حملت فى عامى الأول من الزواج لكنى أجهضت بعد قليل دون سبب معروف وحاولت أن أكرر الحمل مرة أخرى فلم يأذن الله لى به ولم تنجح جهود الأطباء فى تحقيق أملى وأمل زوجى ، وسلمت أمرى إلى من بيده أمر كل شىء وتفرغت لزوجى ولعملى كمدرسة وحرصت دائما على أن أجعل من عشى الصغير واحة يستريح فيها زوجى وينعم فيها بحبى وحنانى وطاعتى له فى كل الأمور وسعد زوجى بحياته معى .. وتخلص قلبى من هواجسه بشأن لهفة زوجى على الإنجاب .ثم فوجئت به ذات يوم يفاتحنى برغبته فى أن يتزوج مرة ثانية لكى ينجب الطفل الذى ينتظره وأنه يريد أن يتزوج الأخرى التى لم يقع اختياره عليها بعد فى نفس شقة الزوجية التى تضمنا معا لأنه غير قادر على إيجاد شقة أخرى ، وصعقت حين سمعت ذلك وبكيت حتى جفت دموعى ورفضت بالطبع .. لكنه بعد قليل استطاع أن يقنعنى بقبول المبدأ وبعد فترة أخرى استطاع أن يقنعنى بأن تعيش معنا فى نفس الشقة بسبب ظروفه وبصفة مؤقتة إلى أن يستطيع أن يحل مشكلة الشقة .. ووافقت مرغمة .. ولم يكن لى طلب عنده سوى أن يتعهد لى أمام صديق حميم له بألا يسىء معاملتى بعد زواجه ! وجئنا بهذا الصديق ورويت له قصتى والعهد الذى أطالب بأن يشهد عليه فاستنكر ذلك وخاطبه قائلا : إذا كانت ظروفك لا تسمح لك بإيجاد شقة أخرى فزوجتك لا ذنب لها فى ذلك وليس من الرحمة أن تحملها هذا العناء ، أفهمت ؟ فتنفست الصعداء وزالت الغشاوة عن عينى وتمسكت بألا يتزوج فى شقتى واتفقنا على أن يبحث عن زوجة لها شقة ليقيم معها بعيدا عنى على أن يعدل بيننا فتذكر فتاة تقيم مع والدها ووالدتها فى شقة بمنزل أسرته ولم تتزوج بعد وسألنى عن رأيى فيها فشجعته على التقدم لخطبتها وتقدم إليها فعلا وتمت الخطبة وتزوجها فى شقة أبيها .. وغاب عنى أيام العسل الأولى فعرفت لأول مرة فى حياتى معنى الألم والإحساس بالقهر والمرارة وأمضيت اليومين الأولين فى الفراش لا أنام ولا أستطيع أن أغادره .. ثم فجأة أنزل الله على سكينته وقررت أن أواجه الأمر الواقع بهدوء فسألت نفسى : هل أريد الطلاق منه ؟ لا ، ألا أسعد باللحظات التى يعيشها معى وقد قبلت من الأصل مبدأ زواجه لكى ينجب طفلا أنا عاجزة عن إنجابه ؟ نعم ، إذن لا معنى للمعاناة والألم وضياع الوقت ، ونهضت فجأة من فراشى وقد تولانى نشاط غريب فقمت بتنظيف الشقة وإعادة ترتيبها وغيرت مواقع بعض قطع الأثاث فيها لتكتسب شكلا جديدا ثم خرجت فاشتريت لنفسى بعض الملابس الجديدة وعدت وارتديتها ليعود زوجى فيجدنى فى أجمل صورة وجاء زوجى بعد ساعات ففوجئ بمنظرى وبشكل البيت وبروحى الودود ومرت لحظات الحرج الأولى كما تمر كل الأزمات وعشنا أيامنا بطريقة عادية لا اختلاف فيها سوى أنى تعودت تدريجيا على أن أقضى ليلة وحيدة كل ليلتين ، وعشنا على هذا الحال فى هدوء لكن الزوجة الجديدة لم تحمل بعد عام من زواجها ، واكتشف زوجى أن بها عيبا عضويا يمنعها للأسف من الحمل والإنجاب فطاف بها على الأطباء دون أى أمل فى العلاج ولم يحتمل حدة طباع أمها التى تقيم معها فطلقها يائسا وعاد للتفرغ لى .. ومضى عام سعيد فى حياتنا قدرت خلاله أنه قد رضى بنصيبه من الحياة بعد أن جرب الزواج مرة أخرى ولم يكتب له الله الإنجاب ، لكن تقديرى خاب مرة ثانية فقد بدأ يفكر فى الزواج ، ورفضت مرة ثانية وطالبته بأن يتحمل قدره كما أتحمله أنا فى صبر فلم يستجب وصمم على رأيه فوافقته على الزواج واتفقنا على أن يتزوج هذه المرة من سيدة سبق لها الإنجاب ليتأكد من قدرتها على تحقيق أمله وبدأ يبحث عن زوجة .. وكانت لى زميلة بالمدرسة التى أعمل بها أرملة ولها طفلان وأستريح إليها فعرضت عليها أن تتزوجه فدهشت لهذا الطلب الغريب ورفضت مناقشته لكنى ألححت عليها بأن تفكر فيه على مهل .. فوعدتنى إشفاقا علىّ وبعد أيام سألتها عن رأيها .. ومازلت بها حتى وافقت على الفكرة لكن أهلها هم الذين رفضوا أن تتزوج من رجل له زوجة أخرى ! ثم عرض عليه صديق له أن يتزوج من سيدة مطلقة لها طفل ولها شقة فتقدم لها زوجى ورحب به أهلها واعتبروا إبقاءه علىّ وحرصه على استمرارى كزوجة له رغم عدم إنجابى دليلا على طيب عنصره ، ولأنه سوف يتزوج فى شقتها .. فقد قدم لها مهرا قدره 5 آلاف جنيه مقابل الشقة ، وتم الزواج وقمت أنا بعمل البوفيه الخاص بالفرح !وشغلت نفسى خلال أيام العسل كالعادة بإعادة ترتيب شقتى وتجميلها وشراء ملابس جديدة ليجدنى عند عودته كما يحب أن يرانى .وتحقق أمل زوجى هذه المرة سريعا فقد حملت زوجته من الشهر الأول وفرح بذلك فرحة طاغية لكنه للأسف لم يهنأ بفرحته طويلا فقد بدأت زوجته بعد حملها تكلفه ما لا يطيقه .. وبدأت تطالبه بشقة أخرى غير شقتها وبدأت طباعها تسوء معه يوما بعد يوم حتى لم يعد يطيق البقاء معها ويعود إلىّ حزينا ، ثم ازداد غضبه منها ومن أسرتها مع تصاعد الخلافات فانقطع عن الذهاب إليها نهائيا منذ ثمانية شهور ، وأنجبت زوجته مولودها فلم يذهب زوجى لرؤية طفله الذى تلهف عليه طوال السنوات الماضية واتصلت هى بشقيقه بعد عشرين يوما من الولادة لتبلغه بالخبر فلم يذهب زوجى إليها رغم ذلك وأرسل شقيقه نيابة عنه وانقطعت أخبارهم عنه عند هذا الحد .وحتى الآن لم ير زوجى ابنه لهذا فقد ساءت حالته النفسية جدا وأصبح يثور لأتفه الأسباب .. واحتملته وحاولت التخفيف عنه وعاملته كما كنت أعامله منذ زواجى به كزوجة وأخت وأم ، ولكنه للأسف تغير كثيرا وأصبح جامد المشاعر وفى حالة غريبة من اللامبالاة لا يهتم بى إذا بكيت ولا يعلق بشىء إذا تصرفت أى تصرف ، ولقد حاولت مرارا أن أعيده إلى طبيعته المرحة وإلى شخصيته الحقيقية ففشلت وبدأت أفتقد حبه وحنانه .. وليت الأمر توقف عند هذا الحد ، فلقد بدأ زوجى يفكر مرة ثالثة فى الزواج لكى ينجب طفلا يقوم على تربيته بنفسه لأنه قرر أن يطلق الأخرى ويشعر أنها سوف تحرمه من ابنه وحجته فى ذلك أن " الشرع قال أربعة " وأنه لا يفعل ما يغضب الله .لكنى أرفض بشدة هذه المرة أن يتزوج ويكفينى ما عانيته من قبل من زواجه مرتين وما سببه لى من آلام نفسية .. لكن المشكلة أنى فى نفس الوقت لا أطيق الحياة بدونه لأنه عشرة عمرى - فماذا أفعل .. وماذا أقول له ؟
ولكاتبة هذه الرسالة أقول :
قولى له يا سيدتى " لم أرك عدلت " ولا تخشى شيئا !! فلقد قالها من قبل أعرابى جلف لسيد الخلق أجمعين وأعدل من حكم بين الناس من البشر فلم يبطش به ولم يزد عن أن قال له متعجبا : " ومن يعدل إن لم أعدل أنا ؟ "أما زوجك فلم يعدل معك برغبته فى أن يتزوج للمرة الثالثة بعد زواجكما الذى توج قصة حب طويلة ، فهذا أمر لا جدال فيه ، فإننا حتى لو تفهمنا رغبته فى الزواج من أخرى لكى ينجب .. وفهمنا قبولك بذلك إدراكا لحاجته للإنجاب وتمسكا بمن تحبين ولو تعاليت على آلامك ، فلقد تزوج يا سيدتى مرة فلم ينجب ، وتزوج مرة ثانية فأنجب لكنه لم يسعد بمن أنجبت له ولم يتحمس لرؤية طفله الذى كان يتلهف عليه والذى عرضك لهذه المحنة من أجله مرتين .. فماذا يريد أكثر من ذلك ؟ ، ومن يدريه أنه سوف يوفق للإنجاب من الثالثة ، وأنه لن يشقى بها كما شقى بالأخرى فلا يتلهف لرؤية طفله منها إذا كتب له الله الإنجاب مرة ثانية ؟وأين يجد كل هؤلاء السيدات اللاتى يقبلن به وهو زوج لزوجة محبة ومخلصة ومتفانية فى إسعاده وفى الحرص عليه مثلك ؟ وإلى متى سوف يتوقع منك أن تعارضيه قليلا فى البداية ثم تمنحيه موافقتك راضية أو غير راضية لأنك مغلوبة على أمرك معه !وإلى متى سوف يتوقع منك أن تنهضى وأنت مذبوحة من الألم لإعداد بوفيه الفرح ، ثم لإعادة ترتيب الشقة وشراء ملابس جديدة لكى تتجملى فى انتظاره بعد كل زفاف .إن الحرص على " عشرة العمر " يجب أن يكون متكافئا بين الطرفين وليس من طرف واحد وإلا صار هوانا ومذلة !فإذا كان من حقه أن يتطلع لإنجاب طفل ينشأ بينه وبين زوجته فإن من حقك بكل تأكيد أن تحجبى عنه موافقتك على الزواج ، وأن تطالبيه بالانفصال إذا أصر عليه ولن تظلميه إذا فعلت فلقد أنجب فعلا ولا يستطيع أن يشبع عاطفة الأبوة فى طفله ولو كان فى حضانة أمه ، وأغلب ظنى أنه لو لمس منك قدرة حقيقية على الرفض ومغالبة نفسك على قبول الانفصال عنه لتردد ألف مرة فى أن يضحى بك وبعطائك السخى له من أجل أمل فى علم الغيب ولو أنصف لفعل .. ولرضى بحسن اختيار الله له ولم يعدل به بديلا ، أما إن لم يفعل فسوف تكتشفين بعد قليل أنك قادرة على الحياة بعده ، وربما مع غيره ، وسوف يكتشف هو أن السعادة كانت بين يديه لكنه أضاعها بتطلع الإنسان الدائم إلى ما ليس بين يديه ، وآفة الإنسان الشره .أما حجة " إن الشرع قد قال أربعة " هذه العبارة المعروفة ، فهى حجة يرددها كثيرون بغير فهم ويعطون بها انطباعا خاطئا يسيئون به إلى الشرع حين يصورون الأمر وكأن الأصل هو تعدد الزوجات والاستثناء هو الاكتفاء بواحدة ! فى حين إن تعدد الزوجات " رخصة " وليس " دعوة " إلى الزواج بأكثر من واحدة أو أمرا بذلك ، وليرجع من يفتون بغير علم إلى كتب الفقه ليتأكدوا من ذلك وأقربها مثالا لمن يريد كتاب فقه السنة لفضيلة الشيخ سيد سابق الذى يقول فى ص 250 من الجزء الثانى أن : " تعدد الزوجات ليس واجبا ولا مندوبا " أى ليس واجبا ولا مستحبا ، إذ أن عبارة الأمر المندوب فى الشرع هى : الأمر المستحب ( المعجم الوسيط ص 946 ) .وليرجعوا أيضا إلى كتاب " بيان إلى الناس من الأزهر الشريف " الذى يقول بالنص فى ص 230 الجزء الثانى : " إنه ليس أمرا واجبا بل مباحا يتوقف على حاجة الرجل إليه وقدرته عليه ".. كل ذلك بالإضافة إلى تقييده بشرط العدل ، العدل الذى يضيق دائرته إلى أقصى الحدود ، وبحق الزوجة فى أن تشترط على زوجها ألا يتزوج عليها وبحقها فى طلب الانفصال عنه إذا فعل .فما هى حاجة زوجك إلى الزواج للمرة الثالثة بعدك ؟