الجمعة، يونيو 5

النظرة الاخري

أنا سيدة في الثامنة والثلاثين من العمر زوجة لرجل محترم في مركز مرموق طيب القلب وعلي خلق كريم‏,‏ وقد أنجبنا ثلاثة أبناء أكبرهم الآن في المرحلة الثانوية‏,‏ وقد أحببت زوجي منذ عرفته ومازلت أشعر تجاهه بالحب العميق وأحسن معاشرته وأستريح إليه ولا أشعر بوجود أي نقص في حياتي وأنا معه‏,‏ وقد مضت رحلتنا في الحياة سعيدة وهانئة وخالية من المنغصات ولم يحدث بيننا طوال حياتنا معا أية خلافات جادة‏,‏ واذا اختلفنا حول أمر من الأمور الهينة فما أسرع ماينتهي‏,‏ وما أسرع ما أصفح وأنسي لأنني أحب زوجي‏..‏ وأقدر له عشرته الجميلة وحنو قلبه ورقته‏,‏ غير أنه قد جد جديد كدر علي صفو حياتي‏,‏ وجعلني أنطوي علي نفسي وأبكي كثيرا ولا أجرؤ علي أن أشكو لأحد منه‏..‏ فنحن نقيم في عمارة بأحد أحياء القاهرة ويقيم بالقرب منا أحد أقارب زوجي‏,‏ وهو رجل يقترب من الستين ويعتبر في منزلة عم زوجي‏,‏ وزوجته سيدة محترمة وفاضلة تعاملني بكل الحب والاحترام وتوجهني لما فيه خيري وخير أسرتي وأبنائي‏,‏ ولا تبخل علي بالمشورة والنصيحة‏,‏ وأعتبرها بمثابة أم لي‏,‏ أما زوجها فقد كان دائما ينظر إلي باعتباري ابنة له وأنظر إليه باعتباره أبا لي‏,‏ لكنه ومنذ فترة غير قصيرة تغيرت نظراته لي فجأة وأصبح ينظر أنا إلي نظرة أخري ويفرض نفسه علي ويتعامل معي بأسلوب رخيص لا أقبله لنفسي‏,‏ كما بدأ يقول لي كلاما عجيبا بدعوي المزاح والتهريج عن أنني جميلة‏..‏ وجسمي كقطعة من الشيكولاتة وكيف أنني خسارة في زوجي وانه يحبني إلي آخر هذا الكلام الرخيص العجيب‏..‏ وقد اندهشت لهذا الكلام في البداية واعتبرته نوعا من المجاملة الزائدة لكني انزعجت له بعد قليل وشعرت بالخوف الشديد من هذا الرجل‏,‏ ورفضت أن أتجاوب معه في هذا التهريج السخيف وبعد أن كنت أثق فيه وأرحب بوجوده في بيتي في أي وقت‏,‏ أصبحت أخاف منه وأخشي أن يدخل بيتي في غياب زوجي‏,‏ ولقد أجبت علي كلامه الغريب لي بأنني أحب زوجي وانه هو وأبنائي هم أغلي ما في الوجود بالنسبة لي‏,‏ لكنه لم يكف بالرغم من ذلك عن هذا التهريج وواصل محاولاته السمجة معي وتحيرت طويلا ماذا أفعل معه‏..‏ وكيف أعيده إلي الطريق السليم‏..‏ وشعرت بضيق شديد ولم أستطع تحمل هذا البلاء طويلا وتشجعت قليلا فألمحت لزوجي بأن عمه يضايقني ويغازلني‏,‏ فلم يصدق ذلك في البداية ودهش له كثيرا‏,‏ وفسره بأنه مجرد مزاح وتهريج من رجل كبير يعتبرني في منزلة ابنته ورجاني ألا أردد هذا الكلام لأي إنسان آخر سواه حتي لا أتسبب في فضيحة كبيرة للأسرة كلها‏..‏ وشعرت بالعجز والقهر ازاء ذلك لأنني خجلت من أن أصارح زوجي بأكثر مما قلت له مما لايمكن أن يكون مجالا لأي تفسير بريء لما يفعله عمه‏,‏ وكتمت ضيقي في نفسي وواصلت حياتي علي أمل أن يكف الرجل عما يفعل ويرجع إلي سابق عهده معي‏,‏ لكنه لم يكف ولم يتوقف وانما تمادي فيه وبدأ يحاول أن يلمسني بحركات تبدو في الظاهر بريئة‏,‏ كأن يفتعل الاصطدام بي عفوا إلي آخر هذه الألاعيب الرخيصة ولم أطق صبرا علي ذلك وألمحت لزوجي مرة أخري بأن قريبه لم يتوقف عن مضايقتي وانما تجرأ أكثر علي فطالبني بالتحفظ ازاءه وتجنب فرص اللقاء معه ومع زوجته‏,‏ ففعلت‏,‏ وأصبحت لا أكاد أغادر غرفتي ومع ذلك لم يرحمني هذا الرجل‏,‏ ولم يكف عما يفعل فأصبحت لا أطيق مرآه وأخشاه‏,‏ وأصبح أبنائي يضيقون بتصرفاته المراهقة‏,‏ وزوجي لايدرك عمق المشكلة لأنني لم أصارحه بكل شيء حرجا منه‏,‏ ولكيلا تحدث كارثة أو فضيحة عائلية بسببي‏,‏ كما أنني لم أرد أن أهين هذا الرجل أو أن أحرجه مراعاة لزوجته‏..‏ فماذا أفعل حتي أتخلص من هذا البلاء؟‏..‏ علي أصارح زوجته وأولاده بما يفعل معي؟‏..‏ وكيف يكون الحال لو ظنت زوجته أنني أشجعه علي مايفعل؟‏..‏ انني أرجوك أن توجه إليه كلمة‏,‏ أن يتقي الله في حرمة البيوت‏..‏ وأن يمتنع من تلقاء نفسه عن دخول بيتي في غيبة زوجي‏..‏ وأن يعلم جيدا أنني أحب زوجي وأحترمه‏..‏ وأرفض هذا الانحدار وشكرا لك‏..‏
ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏
هناك حقيقة نفسية نحتاج لأن نعرفها ونحسن التصرف ازاءها علي ضوء ادراكها وفهمها وليس عن جهل بها‏..‏ أما هذه هي الحقيقة فهي أن الرجل اذا استجاب لبعض عوارض مايسمي بأزمة منتصف العمر وتملكته الرغبة في أن يثبت لنفسه انه مازال الرجل القادر علي التأثير في الجنس الآخر‏,‏ فإنه قد يتوجه بمحاولاته هذه إلي من يحطن به من النساء في دائرته العائلية القريبة بنفس القدر الذي قد يتوجه به ـ اذا أتيحت له الفرصـ لمن يعرفهن في دائرة العمل والصداقات‏,‏ لهذا فإن تعامل المرأة المتزوجة مع الرجال من دائرة الأهل المقربين علي أساس أنهم أقرباء مبرؤون من رغبات الرجال الغرباء وبعيدون عن التأثر بنزواتهم وأهوائهم‏,‏ خطأ مبدئي ينبغي الاحتراس منه‏..‏ لأن تغير نظرة الرجال لمن حولهم من نساء الأسرة أمر وارد من الناحية النفسية في أي مرحلة من العمر‏,‏ ومن واجب الزوجة المحصنة ألا تنسي في تعاملها معهم أنهم وان كانوا من الأهل المقربين‏,‏ إلا أنهم في البداية وفي النهاية رجال لهم بدواتهم ونزواتهم وأهواؤهم الجامحة في بعض الأحيان‏,‏ ويقتضي ذلك منها ألا تركن إلي الثقة في عدم احتمال تغير نظرتهم إليها ذات يوم‏,‏ وأن تلتزم في التعامل معهم بما تلتزم به من التحفظ الحكيم في التعامل مع غيرهم من الرجال‏,‏ وأن تحذر التمادي معهم فيما يغريهم بها وبالاجتراء عليها بالمغازلة‏,‏ ذلك أن بداية الخطأ في العلاقة بين المرأة المتزوجة والطامع فيها هو تقبلها ولو من باب الحرج لاعجابه بجمالها الجسدي‏,‏ أو تجاوزها عنه بغير لفت نظره بالنظرة الصامتة‏..‏ وبملامح الوجه المتحفظة والمتجهمة إلي أنه قد طرق بابا لايحق له مهما كانت قرابته أو صلته بها‏,‏ أن يطرقه ويكفي ذلك في بعض الأحيان وحده لأن يردع ذوي الحياء عن تكرار المحاولة‏,‏ بغير الحاجة إلي صدام علني معهم أو اثارة زوابع عائلية غير مأمونة العواقب‏.‏ أما السكوت علي كلمات الاعجاب بجمال المرأة المتزوجة من رجل أجنبي عنها اما تحرجا من احراج قائلها أو طربا لها فإنه يمثل بالنسبة له دعوة ضمنية للاستمرار في المحاولة ومواصلة اطلاق السهام المسمومة إلي أن تصيب الهدف‏,‏ لا فرق في ذلك بين قريب وغريب ولا بين شاب ورجل في الستين‏,‏ وبعض الرجال يتعاملون مع المرأة بمنطق الروائي الفرنسي جي‏*‏دي‏.‏موباسان الذي كان يقول ان المرأة قد تغفر للرجل مغازلته لها واعتراضه لطريقها‏,‏ لكنها لاتغفر له أبدا اهماله لها أو عدم تأثره بجمالها‏!!‏وهو منطق فاسد بغير شك‏..‏ يقابله المنطق الآخر الذي تؤمن به الفضليات من النساء والذي تعتبر معه المرأة المتزوجة محاولة أي رجل آخر لمغازلتها مع علمه المسبق بأنها زوجة لغيره إهانة صريحة لأخلاقياتها واتهاما معيبا لعفتها واخلاصها‏..‏ وشهادة علنية من جانبه بسوء ظنه في سلوكها ومبادئها‏,‏ اذ لو كان ينطوي لها بالفعل علي ماتستحقه من احترام لأخلاقياتها ووضعها كزوجة وأم‏..‏ لما تصور إمكان تساهلها في هذه المباديء أو استعدادها للتجاوب مع غزله لها‏..‏ ومن هذا المنطلق يكون رد فعلها علي من يتهمها بسوء الخلق صاعقا ومكافئا لسوء ظنه بها‏,‏ ويكون استياؤها منه بالغا وحاسما ولا يعطيه أية بارقة أمل في إمكان تكرار المحاولة‏..‏ ولايعني ذلك أبدا أن يكون رد الفعل هذا صاخبا أو ملحوظا من الآخرين‏,‏ أو سببا في اثارة فضيحة عائلية‏..‏ وانما يعني فقط أن يكون صارما ومزيلا لكل شبهة في نفس المجتريء عليها بغزله ودعوته لها إلي الخطأ‏..‏والمرأة قادرة دائما علي أن تصعق كل من يجتريء عليها ولو بنظرة واحدة منها توقفه عند حده‏..‏ وبتعبير الاستياء الصارم علي وجهها الذي ينبئه بأنه قد أخطأ الطريق من البداية‏.‏أما التحاور معه ومحاولة اقناعه بأنها تحب زوجها وأولادها ولا تعول بغيرهم أحدا‏,‏ فإنه لايمثل بالنسبة للمجتريء عليها سوي بداية طيبة للحوار حول الموضوع‏..‏ واشارة خاطئة إلي أنه موضوع قابل أصلا للمناقشة فيأمل أن تستمر المناقشة حوله وأن ينجح مع اطراد الحوار في أن يثقب جدار الرفض ذات يوم‏..‏ والنسمة الخفيفة التي تطفيء الشمعة هي نفسها التي تذكي النار كما يقول لنا الحكيم الفرنسي لاروشفوكو‏,‏ ولهذا فإن مجرد تبادل مثل هذا الحوار بين زوجة محصنة ورجل أجنبي عنها انما يعني من حيث قد لاتشعر هي أنها قد رفعت بالفعل درجة العلاقة بينهما إلي مستوي الخصوصية الذي يسمح لهما بتبادل هذا الحوار السري الذي لايسعدهما أن يطلع عليه غيرهما‏..‏ حتي ولو كانت نية الزوجة صادقة بالفعل علي النتمسك باخلاصها والتزاماتها الأخلاقية‏,‏ والإمام الشافعي كان يقول لأصحابه‏:‏ نزهوا أسماعكم عن استماع الخنا كما تنزهون ألسنتكم عن النطق به‏,‏ فإن المستمع شريك القائل‏..‏لهذا فأنت ياسيدتي لست في حاجة لأن أناشد هذا الرجل العابث أن يكف أذاه عنك وان يرعي حرمة البيت الذي ائتمنه صاحبه علي دخوله‏,‏ لأن كل ذلك لن يجدي معه فتيلا‏..‏ وانما أنت تحتاجين فقط إلي أن توقفي هذا الحوار الذي لاطائل تحته معه‏..‏ وان تصعقيه بنظراتك الغاضبة‏,‏ وازدرائك له وتجنبك لرؤيته والترحيب به في بيتك سواء في حضور زوجك أو غيبته‏,‏ وتفاديك أية فرصة يمكن أن يتحدث إليك خلالها حديثه المسموم هذا أو يقترب منك‏..‏ وسيكون ذلك أبلغ تأثير فيه من أي مناشدة من جانبي أو حوار آخر من جانبك عن حبك لزوجك واخلاصك له‏,‏ فإن لم يرتدع عن غيه بعد كل ذلك فلا مفر من مصارحة زوجك بالحقيقة الكاملة‏..‏ ليري رأيه فيما يفعل قريبه‏..‏ ويتخذ من الاجراءات مايحفظ عليك كرامتك ويحميك من اجتراء هذ ‏السفيه عليك .

الثلاثاء، يونيو 2

كلمات اعجبتني (للكاتب عبد الوهاب مطاوع )

اجمل باقة ورد لعشاق البريد تمنياتي بدوام التواصل
علمتني الحياة أن الإنسان لا ينال الاحترام من الأخرين بالضغط أو الإكراه.. ولا بالاستجداء، وإنما ينبع الإحساس بالاحترام ذاتيا تجاه الآخرين حينما يلمس المرء التزامهم بالطريق القويم في الحياة، وتصرفهم في حياتهم تصرفات تعكس اتزانهم النفسي والخلقي والتزامهم باحترام النفس وحقوق الغير.. والطريق الخاطئ متاح دائما للجميع، وهو الطريق السهل الذي لا يرد فيه المرء نفسه عن إغراء أو مصلحة عابرة حتى ولو تعارضت مع حقوق الآخرين أو متعة ولو كانت محرمة، أما الطريق الصعب فهو الطريق الذي يجاهد الإنسان فيه نفسه ويدرها عن رغائبها غير المشروعة.. ويكون جزاؤه عن جهاده فيه هو الرضا عن النفس واحترام الآخين للمرء.. والمضي في الحياة بغير مكابدة الإحساس المرير بالذنب والخوف من عقاب السماء وغدر الأيام، وليس من حق من يختار الطريق السهل أن يأسف على سقوط اعتباره لدى الآخرين، ولا أن يلومهم على ذلك، وإنما من واجبه أن يلوم نفسه على أن وضعها موضع اللوم والازدراء من الآخرين، وأن يجاهد بإخلاص ليردها عن كل ما يسيء إليها، فيكتسب تلقائيا ثقة الغير واحترامهم.
-------------------------------
تحياتي الي فارس الكلمة وصاحب القلم الرحيم
الكاتب عبد الوهاب مطاوع رحمه الله