الجمعة، مايو 15

الهواجس المؤلمة

أنا رجل أبلغ من العمر 45 عاما، وأعمل بوظيفة محترمة، وقد أكرمني ربي برضا أبي وأمي وبعلاقات طيبة مع الأهل والاصدقاء وكل من اتعامل معهم لانني أحب البشر ولا أتواني عن مساعدتهم وأعامل الآخرين بكل احترام.وقد تزوجت منذ اثني عشر عاما من فتاة أحببتها سنوات طويلة قبل الزواج دون ان اعلن ذلك لها أو لغيرها وتكتمت مشاعري تجاهها الي ان يحين الوقت المناسب للتقدم لها، وحين سمحت لي الظروف بذلك تقدمت اليها، وخطبتها وتزوجتها برغم الكثير من الصعاب بسبب بعض الظروف المعاكسة وعشنا سنوات جميلة هادئة سعيدة إذ ما أجمل أن يتزوج الإنسان من فتاة يحبها وتكون هذه الفتاة عاقلة ورزينة ومتعلمة ومن أسرة كريمة.ولقد أكرمني الله بالتوفيق في عملي فتوفر لي قدر من المال وفكرت في ان استغله فيما يسعد زوجتي ويكون اضافة لنا تفيد أبناءنا في المستقبل، فأنشأت مشروعا صغيرا تديره زوجتي لانه يتفق مع مؤهلاتها الدراسية وسجلته باسمهاووقفت فيه الي جانبها حتي نجح العمل نجاحا اسعدها وأسعدني معها وازدادت علاقة الحب بيننا عمقا.وكانت زوجتي بحكم هذا المشروع تتعامل مع كثيرين من العملاء وتعرضت بطبيعة الحال في بعض الاحيان كامرأة للمضايقات من بعض العملاء لكنها بقوة شخصيتها وذكائها وأدبها كانت تتخطي دائما هذه المضايقات وتجبر الجميع علي احترامها.ثم شاءت الاقدار ان يتردد علي مقر عملها أحد الشباب مندوبا عن شركته، فوجد من زوجتي اهتماما غير عادي به وبالعرض الذي تقدم به ولم يتم الاتفاق مع شركته علي العمل المطلوب، ولكنه استمر بالرغم من ذلك في التردد علي مقر عمل زوجتي وهنا شعرت بالضيق وعدم الارتياح واظهرت لزوجتي هذا الضيق، واعترضت صراحة علي تردده علي العمل دون مبرر، فقالت لي انني استطيع إذا اردت ان اطلب منه عدم الحضور، لكن رفضت ذلك مؤكدا لها انني إذا فعلت ما تقترحه فإن معناه هو عدم الثقة فيها، وان عليها ان تنهي هي تردده بأي شكل، لكنها لم تفعل متعللة بصعوبة اظهار الجفاء مع إنسان يتعامل معها بكل احترام، فضلا عن انها لا تريد ان تغلق باب التعامل مع شركته، ولا تريد أيضا ان تحرم من بعض الآراء والمقترحات التي يبديها ويمكن ان تفيد العمل.وأمام كلماتها الهادئة الواثقة راجعت نفسي في احتمال ان أكون مخطئا في رأيي بسبب طبيعتي المحافظة، أو ربما بسبب شعوري بشيء من الغيرة التي يجب ألا استسلم لها حتي لا أكون عائقا أمام نجاح زوجتي، وأقنعت نفسي بانه من الافضل ان أوطد علاقتي به حتي يفهم من يلاحظ كثرة تردده علي العمل انه صديقي، وبذلك أمنع الأقاويل عن زوجتي، وقد كان ذلك.وبعد فترة لا أدري طولها اصبحت زوجتي أكثر عصبية فالتمست لها العذر بإرهاق العمل وضغوطه، ثم بدأت تنفر مني في أحيان كثيرة، وإذا غضبت منها لشيء لا تبالي بغضبي وهي التي كانت إذا حدث بيننا شيء من سوء التفاهم تتودد الي وتنهيه في نفس اليوم، ولم استطع تفسير ذلك برغم انني كنت أشعر بحزن عميق بداخلي، وفي لحظات قربها مني كانت تستطيع ان تمحي الاثر السييء بعصبيتها ونفورها، مع ان هذه اللحظات تباعدت بيننا كثيرا في حين ازدادت مساحة الخلافات حول أشياء تافهة لا أذكرها لانها كانت فيما يبدو تعبيرا عما أصاب كلا منا من تغيير حتي أصبحت هذه الخلافات ظاهرة أمام ابنائنا علي غير عادتنا.واستمرت الحياة علي هذا النحو: أياما هادئة وأياما عصبية حتي حدث موقف ايقظني من غيبوبتي ذلك انني فوجئت بها ذات مرة تخبرني انها ذهبت مع هذا الشاب بسيارته لمتابعة عمل يخصها في مدينة قريبة من مدينتنا، ووجدتني في لحظة خاطفة استرجع كل الاحداث الماضية المتعلقة بعلاقة هذا الشخص بها، والتي توحي بأن اهتمامها به لم يكن عاديا وانه لم يكن مجرد صديق عمل مثل بقية الاصدقاء والمعارف (إذا جاز استعمال لفظ الصداقة هنا)، وانه شخص تسعد به ولوجوده وتختلق الاسباب لكي يستمر تردده عليها في عملها سواء بالحديث عن مشروعات مشتركة لم تتم أو بطلب مشورته في بعض أمور عملها، وواجهتها بذلك وكان رد فعلها هو الإنكار التام بقوة وعصبية مع الاحساس بالإهانة، وحاولت إقناعي بأن الأمور أكثر بساطة مما اتصور وراحت تلومني علي انني لم أكن واضحا في طلب قطع علاقاتهابه في البداية، مع انني قد أظهرت لها عدم ارتياحي وغضبي في بداية العلاقة، لكنني لثقتي فيها صدقت كلامها عن بساطة هذه العلاقة ولم آخذ موقفا كان يجب ان اتخذه ولكنها اصرت علي انه ليس في الأمر أي شيء مشين، وانها تتفهم غضبي ولم اقتنع بحديثها تماما، ولكني حاولت خداع نفسي بتصديقه لان ذلك كان الاكثر راحة بالنسبة لي واعتبرت الامر مجرد عدم اتزان في التصرف، وان رغبتها في النجاح كانت أقوي من الاعتبارات الأخري وانتهي الموقف تاركا في نفسي جرحا غائرا لكن لم أدع ذلك يؤثر علي علاقتي بها.وامتنعت زوجتي عن الذهاب لعملها فترة حتي لا تقابل هذا الشخص واصبحت تديره بالتليفون واتولي انا بعض الأمور، وحين وجدت انا تساؤلا من ذلك الشاب عن سبب انقطاعها عن العمل أفهمته بتعبها ولكيلا أثير في نفسه اية تساؤلات حول وجود خلل علاقتي بزوجتي بسببه، فقد استمرت في علاقتي به بشكل عادي حتي لا تتناثر الاقاويل والشائعات الي ان انهت شركته العمل في مدينتنا وظل بعد ذلك يتصل بي كل فترة، واتصل به من حين لآخر وكأن شيئا لم يحدث لكني كنت اتعمد ان يغلف البرود كلماتي واختفت عبارات المجاملة حتي انقطع الاتصال بيننا.وبعد حوالي عامين من ذلك وإثر اتصال تليفوني منه فوجئت بزوجتي تعرض علي فكرة التعاون مع هذا الشخص في أحد المشروعات التي كانت تنفذها، ووجدت نفسي أنفجر فيها هذه المرة رافضا ومتسائلا عما اذا كانت تريد إعادة العلاقة معه أم ماذا.. وتكهرب الجو وأكدت لي انها فكرت في هذا الاقتراح بحسن نية لان هدفهاهو نجاح المشروع ولانه ليس لديها شيء تتخفي به، ولم أقنع بذلك واصبح ما يثور في داخلي كل فترة تساؤل أو مجموعة تساؤلات أظل أسيرا لها حتي اسأل زوجتي عنها وتتجدد الصدامات.وخلال هذه الصدامات افلتت منها بعض التعبيرات العفوية التي زادت شكوكي وتفاعلت هذه الشكوك داخلي حتي حاولت الانتحار ذات مرة ولكن الله سلم واصبحت حياتنا بعد ذلك متوترة دائما وازداد البعد بيننا وغابت السعادة عن حياتنا، وبالرغم من ان الأمور هادئة الان بيننا اقصد فاترة الا ان التساؤلات تهاجمني يوميا حول ما حدث، فكيف أصل للحقيقة؟وهل من مصلحتي معرفتها؟ مع اني لا استطيع خداع نفسي وأؤمن بأن الحقيقة المرة أفضل من الحيرة والشكوك.ان الأمر إذا كان نزوة وانتهت فكلنا نخطيء ويمكن التجاوز عن هذه السقطة بالحب وبإدراك اننا بشر وبأنني ساهمت ولو بأي قدر في عدم منع هذا الخطأ وإذا كان حبا قائما (ولا أظنه كذلك) فيمكنني طلاقها وتنتهي القصة ونتحمل أنا وأطفالي إرادة القدر، كما انه يمكن استمرار وجودها معي شكليا من أجل الأولاد
كأخت وأم وليس كزوجة وشريكة حياتي، فماذا أفعل وكيف أحسن أمري؟!]
ولكاتب هذه الرسالة أقول:
التساهل في البدايات يورث جحيم الشك في النهائيات هذه هي خلاصة المحنة التي تهدد حياتك العائلية وسلامك النفسي الآن، لهذا فلقد كان الأحري بك الا تتردد في حسم هذه الصلة بين زوجتك وبين هذا الشاب في بدايتها المبكرة وبلا تحسس لما يمكن ان يثيره ذلك من تساؤلات لديها أو لدي الغير إذ انه يكفي ان يستشعر الزوج أو الزوجة القلق لصلة تجمع شريك الحياة بطرف آخر لا مبرر لوجوده أصلا في أفقه، لكي يكون ذلك وحده سببا عادلا ومقنعا لقطع هذه الصلة بل انه من واجب الشريك ان يتدخل لابعاد المتطفلين عن شريكه بدافع الغيرة الايجابية المطلوبة لحمايته من الريبة والظنون أو من الإساءة لنفسه بحسن نية، وليس هناك ما يدعو لاستشعار الخجل من هذه الغيرة أو لانكارها، فهي احساس إنساني طبيعي يحفظ إذا مورس باعتدال الطرف الآخر من التعرض للاغراء ومن الانزلاق الي الشراك الخداعية المحيطة به، ولا يفيد أبدا انعدام الثقة في النفس أو الشك في إخلاص الطرف الآخر وأخلاقياته، وانما يعني فقط القلق الصحي المعتدل بسبب الخوف من ضياع المحبوب، أو تعرضه للمهالك.لهذا فإنه لم تكن هناك أية ضرورة للتجمل في اظهار ضيقك بصلة زوجتك بهذا الشاب، ولا لمحاولة اكتساب صداقته للإيهام بأن ما يربطه بكم هو علاقة عائلية واجتماعية وليس اهتماما شخصيا بالزوجة.ومن واجب شريك الحياة ان يتفهم هذا القلق ويستجيب لما يتطلبه من تجنب كل ما يثير هواجس شريكه وظنونه حتي ولو لم يكن لها اي ظل من الحقيقة، ولو أنصف نفسه لسعد بهذا القلق واعتبره دليلا متجددا علي الحب والنخوة والرغبة الدائمة في الانفراد بجماع مشاعر شريك الحياة واهتمامه، ودون أي تعارض مع الثقة المفترضة في وفائه وأخلاقياته وقيمه، لان الأمر لا يتعلق هنا بالثقة وإنما بسد الذرائع، والبعد عن الظنون.والكاتب المسرحي الأميركي تنيسي وليامز يقول لنا انه لا يوجد عذاب علي وجه الارض يقارن بعذاب الرجل حين ينهشه الشك في وفاء امرأته له، ولأن الأمر كذلك فلابد لك يا سيدي من أن تحسم كل التساؤلات التي تمور في أعماقك الآن وتخرج من بحر الحيرة الي شاطيء أمين، لكي تستقيم لك حياتك وتعفي نفسك وزوجتك من هذا العذاب.ولربما يعينك علي ذلك أن تسلم بأن الإنسان تاريخ وسياق عام من السلوكيات والأخلاقيات والقيم، وليس مجرد موقف طاريء من مواقف الحياة، وبالتالي فإن الحكم العادل عليه لا بد ان يضع في الاعتبار تقييم هذا التاريخ كله، ولا يكتفي بما ثار الجدل مؤخرا حوله.وأيا كان الشاطيء الذي سوف ترسو فيه سفينتك فإن من واجبك ان ترفض بصراحة أية مقترحات أو أفكار لتجديد تلك الصلة التي أثارت كل هذه الزوبعة مهما تكن مبرراتها أو أرباحها المادية المتوقعة.إذ ماذا يفيد ان يجني الانسان بعض الربح المادي ويخسر سعادته وأمانه وراحة قلبه وضميره؟وختاما فإني أجيب علي تساؤلك الحائر المحذوف من رسالتك، والذي يقض مضجعك الآن،بالاشارة الي حديث شريف رواه الشيخان وأبوداود والترمذي ويقول إن الله قد تجاوز لأمتي عما حدثت به نفسها ما لم تتكلم أو تعمل به .واكتفي بهذا القدر، معتمدا علي فطنتك، والسلام.