الخميس، مارس 19

رحيق السعادة

أنا رجل في الثانية والأربعين من عمري حاصل على مؤهل عال تزوجت منذ عشر سنوات من فتاة من أسرة طيبة‏..‏ وكنت حينذاك اعمل محاسبا بمستوصف خاص بإحدى دول الخليج‏,‏ وارتبطت بهذه الفتاة وعقدت قراني عليها في مدينتي الصغيرة بالوجه البحري‏,‏ وسافرت هي إلي حيث أقيم لإتمام الزفاف توفيرا للنفقات‏.‏ وبعد خمسة شهور من زواجنا من الله سبحانه وتعالي علينا بحمل زوجتي في توءم‏,‏ ومضت شهور الحمل الأولي عادية إلي جاء الشهر السادس‏,‏ وتطورت الظروف واحتاجت زوجتي فجأة إلي إجراء جراحة كبري لها‏..‏ وكان مطلوبا أن يتوافر عدد كبير من المتبرعين لها بالدم لإنقاذ حياتها خلال الجراحة‏,‏ والحمد لله فلقد تجمعنا أنا وعدد كبير من زملائي بالعمل في المستشفي وتقدمنا جميعا للتبرع بالدم المطلوب‏,‏ وأبلغني الأطباء أنهم يسعون إنقاذ حياة الزوجة علي حساب حياة التوءم وكان قراري وبإجماع زملائي كلهم هو أن إنقاذ حياة الزوجة هو الأهم‏..‏ أما التوءم فهما في ذمة الخالق العظيم وهو الذي خلقهما بقدرته العليا‏..‏ وهو الذي يستطيع أن يعوضنا عنهما بإرادته حين يشاء واستراح ضميري وضمير زملائي جميعا لهذا القرار‏,‏ واستغرقت العملية الجراحية عشر ساعات‏,‏ كنت خلالها عاكفا في مسجد المستوصف أسجد لله خوفا وأملا أتضرع إليه أتلو آيات الذكر الحكيم‏,‏ وخاصة سورة ياسين‏,‏ إلي أن خرج الأطباء وقالوا لنا أنهم قد فعلوا كل ما يستطيعون‏..‏ ولم يبق إلا الأمل في رحمة الله‏.‏ فنقلت زوجتي من غرفة الجراحة إلي العناية المركزة‏,‏ وأخذنا التوءم اللذين لم يكتب لهما أن يريا الحياة واستودعناهما عند من لا تضيع عنده الودائع سبحانه‏.‏ وظلت زوجتي في العناية المركزة شهرا كاملا‏..‏ وكانت قد سألتني عن توءمها حين أفاقت ولم أجد ما يدعو إلي إخفاء الحقيقة أو التهرب منها فصارحتها بأنهما أمانة عند الخالق العظيم وسيكونان شفيعين لها بإذن الله يوم القيامة‏,‏ فتجلدت زوجتي واسترجعت‏..‏ وقالت هو من أعطي وهو من أخذ فاللهم آجرني واجر زوجي عنهما يوم الحساب‏.‏ وخرجت زوجتي من المستشفي وسط دهشة كثيرين لم يصدقوا احتمال شفائها أو نجاتها من الموت بعد أن أكد الأطباء من قبل أن نسبة نجاح تلك الجراحة الكبرى ضئيلة للغاية‏.‏ وعدنا لحياتنا الطبيعية وبعد فترة ليست طويلة‏,‏ بدأت زوجتي تشعر ببعض الألم والمغص في البطن‏..‏ وبدأنا نتردد علي المستشفي فيعطيها الأطباء بعض المسكنات ويذهب الألم‏..‏ ثم لا يلبث أن يعود من جديد‏..‏ إلي أن قرروا إجراء جراحة استكشاف للبطن للكشف عن أسباب هذا الألم‏,‏ وامتثلنا لقرار الأطباء وأجريت الجراحة ووجدوا أن الأمعاء بها التهاب لا يحدث إلا بنسبة الواحد في المليون في مثل هذه الظروف‏,‏ واتخذ الأطباء قرارهم بإجراء جراحة ثالثة لها لفصل الأمعاء إلي جزأين.‏ وبعد الجراحة توجهنا لأداء العمرة‏..‏ والابتهال إلي الله أن ينعم عليها بنعمة الشفاء‏,‏ ورجعنا إلي مصر لقضاء فترة الإجازة السنوية فرجعت نفس الآلام والمشاكل مرة أخري‏..‏ واحتاجت زوجتي إلي إجراء جراحة رابعة كبري في أحد المعاهد المتخصصة في مصر‏..‏ وتقبلنا أنا وزوجتي كل ذلك بصبر وامتثال وبحمد الله علي نعمه والثناء عليه‏.‏ ثم عدنا إلي مقر عملي بالبلد الخليجي‏,‏ واستقرت الحالة الصحية لزوجتي وانتهت الآلام إلي غير رجعة والحمد لله‏..‏ ومارسنا حياتنا الطبيعية إلي أن انتهت فترة عملي بالغربة‏,‏ ورجعنا للاستقرار في بلدنا‏,‏ وكنت خلال ذلك قد استخدمت كل أو معظم مدخراتي في الغربة في بناء شقة بمنزل أبى وتجهيزها ورجعت إلي عملي كموظف بالحكومة‏..‏ وبعد عودتنا بفترة بدأت المشاكل من جانب آخر هو جانب والدتي يرحمها الله واخوتي‏,‏ وكان مثار كل تلك المشاكل هو الحديث عن الجراحات الأربع التي تعرضت لها زوجتي ومدي تأثيرها علي فرصتها في الإنجاب,‏ ورغبة أبي وأمي في أن يريا لهما حفيدا مني‏,‏ وكنت في كل تلك المشاكل أقول دائما لأبي وأمي واخوتي أن الإنجاب كالرزق والعمر وعلم الساعة كلها من أمر ربي وحده‏,‏ ولكن دون جدوى فلا يمر يوم دون أن أرجع من عملي وأجد زوجتي تبكي بكاء مريرا بسبب كلمة أو إشارة وجهت إليها في هذا الشأن‏,‏ أو خبر نما إليها عن ضغط أهلي علي لكي أطلقها لأتزوج من أجل الإنجاب.‏ وتحت ضغط هذه الظروف كلها اضطررت لمصارحة أبى وامي بالسر الذي كنت اكتمه عنهما وهو انني انا أيضا اعاني من سبب عضوي يضعف من فرصتي في الانجاب‏..‏ وان حمل زوجتي الأول قد تم خلال فترة كنت اتلقي فيها علاجا مكثفا لحالتي‏,‏ اما الآن فانني احتاج إلي عملية زرع انسجة‏,‏ وهي مكلفة جدا ولا طاقة لي بها‏,‏ وبالتالي فإن ظروفي وظروف زوجتي متشابهة وهذه هي حياتنا ونحن راضيان بها‏,‏ لكن ابي وامي لم يقتنعا بذلك وفسراه علي طريقتهما‏,‏ بإنني انسب إلي نفسي العجز عن الانجاب لكي يتوقفا عن الضغط علي للزواج مرة أخري‏,‏ واستمرت الضغوط القاسية بلا هوادة‏..‏ وبعد فترة فوجئت بابي وأمي يضعانني امام خيار صعب هو إما أن اطلق زوجتي هذه واتزوج من أخري علي أمل الانجاب منها‏..‏ وأما أن اغادر الشقة التي بنيتها بشقاء العمر في الغربة‏,‏ وابحث لنفسي عن مسكن مستقل خارج نطاق الأسرة‏.‏ وبالرغم من قسوة الاختيار فإني لم اتردد لحظة في اتخاذ قراري وهو التمسك بزوجتي والبحث لنفسي عن سكن آخر‏,‏ بعد أن أعيتني كل الحيل مع أهلي‏,‏ وبعد أن استشرت أهل الذكر ورجال الدين فاجمعوا كلهم علي ان ما يطلبه مني ابي وامي هو تدخل في أمور خاصة بقدرة الله وحده‏,‏ وليس لي ولا لزوجتي يد فيها‏.‏ وقبلت بالقرار الصعب وغادرت شقتي في منزل الأسرة‏,‏ لكيلا اغضب أبوي وأهلي واقترضت من البنك علي مرتبي لكي ادفع مقدم ايجار لشقة صغيرة استأجرتها بمائة وخمسين جنيها كل شهر‏..‏ وكل مرتبي لا يزيد علي مائتين وسبعين جنيها‏,‏ وزوجتي وهي حاصلة علي بكالريوس التجارة لا تعمل‏.‏ وانتقلنا للشقة الجديدة‏..‏ ووجدتني ادفع اكثر من نصف مرتبي كل شهر كايجار لها ولي في نفس الوقت شقة خالية بنيتها بعرقي وكفاحي في منزل الأسرة‏,‏ ثم رحلت أمي عن الحياة فجأة يرحمها الله‏..‏ وبعد فترة الحداد حاولت مع أبي جاهدا أن أعود إلي مسكني‏..‏ وتدخل بعض الصالحين بيني وبينه في ذلك‏,‏ فإذا به يتمسك بالرفض النهائي ومازال علي موقفه هذا إلي الآن‏.‏ وبالرغم مما نعانيه من ضيق العيش وجفاف الحياة ونفقات الأطباء المختصين بأمر الانجاب بالنسبة لزوجتي ولي‏,‏ فلقد أزداد تمسك كل منا بالآخر واقتناعه به وحاجته إليه‏..‏ واستشعاره الراحة والسعادة بين يديه‏..‏ وفي نهاية كل يوم يجد كل منا قلبا مفتوحا للآخر يقدم له العطاء والتضحيات ويتحمل العناء من أجله والحمد لله علي ذلك حمدا كثيرا‏,‏ وأنني أكتب لك هذه الرسالة لكي أعلق بها علي رسالة الأرض الخصيبة للزوج الشاب الذي يئس من عدم إنجاب زوجته حتى زهدها‏,‏ وأقول له إنه علي قدر صبر الإنسان تكون جوائز السماء التي يبشر بها صاحب ‏««‏بريد الجمعة‏»»‏ الصابرين والمبتلين‏,‏ ولأرجوه أن يصبر وألا ييأس من روح الله‏,‏ كما أفعل أنا مع تمنياتي للجميع بالسعادة وتحقيق الأمنيات إن شاء الله‏.‏ ‏
ولكاتب هذه الرسالة أقول ‏
ظننت في البداية أنك قد كتبت رسالتك هذه لكي تطلب مني في ختامها أن أناشد أباك أن يخفف من غلوائه ويسمح لك بالعودة إلي مسكنك الذي بنيته بشقاء الغربة بدلا من معاناتك لشظف العيش في شقة مستأجرة لا يسمح لك دخلك بتحمل عبء إيجارها,‏ فإذا بكبرياء الحب الذي جمع بينك وبين زوجتك وصمد لكل الأحوال والتحديات‏,‏ يحول بينك وبين ذلك‏,‏ وإذا بك تختتم رسالتك بأنشودة بليغة وقليلة الكلمات عن السعادة وسكون القلب إلي جوار من يحب والرضا بكل ما تحمله له أعاصير الحياة والصبر عليها والاستعانة بالحب الصادق والعطاء المتبادل والتضحيات المشتركة علي اجتياز العقبات واحتمال جفاف الحياة‏..‏ وإذا بك تهدي تجربتك في الصبر علي ما جرت به المقادير والتطلع الدائم إلي الأمل في رحمة الله‏,‏ إلي كاتب رسالة الأرض الخصيبة راجيا له جوائز السماء للصابرين والمحتسبين‏,‏ وطالبا منه الا ييأس أبدا من روح الله وأن يصبر علي ظروفه كما تفعل أنت‏!‏ يا إلهي‏..‏ لقد القيت علينا درسا جديدا في معني السعا دة

الاثنين، مارس 16

نبذة عن حياة الكاتب

عبد الوهاب مطاوع
11 نوفمبر 1940دسوق - الجمعة 6/8/2004 القاهرة
صحفي مصري شهير راحل ، كان يشغل منصب مدير التحرير في جريدة الأهرام المصرية قبل وفاته ، حيث اشرف على باب بريد الجمعة الشهير الذي كان يتلقى آلاف الرسائل شهرياً منذ عام 1982 وحتى لحظة وفاته ، كما كان محرراً لصفحة بريد القراء اليومية.لقب عبد الوهاب مطاوع بلقب " صاحب القلم الرحيم"
.كان عبد الوهاب مطاوع يستخدم اسلوباً راقياً في الرد على الرسائل التي يختارها للنشر من آلاف الرسائل التي تصله أسبوعياً ،حيث كان أسلوبه في الرد على صاحب المشكلة أسلوباً أدبياً ، يجمع بين العقل والمنطق والحكمة ويسوق في سبيل ذلك الأمثال والحكم والأقوال المأثورة وكان يتميز برجاحة العقل وترجيح كفة الأبناء واعلاء قيم الأسرة
وقد .حرر باب بريد الجمعة لما يقرب من ربع قرن من الزمان ، وفي عهده انتشر بابه الأسبوعي وأصبح من أسباب زيادة التوزيع لعدد الجمعة.أهم ما كان يميز شخصيته هو جديته في العمل، وتواضعه مع كل من حوله والدقة في التعامل مع مشاكل وتبرعات القراء
.البدايات والحياة الشخصية
تخرج الكاتب عبد الوهاب مطاوع وهو من مواليد مدينة دسوق بمحافظة كفر الشيخ من قسم الصحافة بكلية الآداب بجامعة القاهرة عام 1961، ثم التحق بالعمل كمحرر صحفي بقسم التحقيقات بصحيفة الأهرام.عبد الوهاب مطاوع كان متزوجاً وله ابن وابنة‏ هم( كريم وريم) .أقرب أصدقاءه كان الدكتور( محمود عمارة) و(سامي متولي و صلاح منتصر و عزت السعدني) والتي إستمرت علاقة الصداقة بينهم لمدة 40 عاماً
.إبداعه الأدبي
كتابات عبد الوهاب مطاوع خاصة ردوده في بريد الجمعة تصنف على أنها لون من ألوان أدب الرسائل، وهو أحد ألوان الأدب العربي التي كادت تندثر لولا جهود أدباء مخلصين لهذا اللون من الأدب وعلى رأسهم عبد الوهاب مطاوع.كذلك لعبد الوهاب مطاوع مجموعات قصصية وله إسهامات ملحوظة كذلك في أدب الرحلات، حيث من أهم كتبه في هذا الباب سائح في دنيا الله (حول العالم في 30 سنة) وكتاب قدمت أعذاري ويوميات طالب بعثة.التدرج الوظيفي بجريدة الأهرامبعد ذلك ترقى عبد الوهاب مطاوع في درجات جريدة الأهرام حتى أصبح سكرتير التحرير عام 1982 ثم نائب لرئيس التحرير عام 1984 ، ثم رئيس لتحرير مجلة الشباب التي تصدرها جريدة الأهرام ، ومدير للتحرير والدسك المركزي بالجريدة.وكان عبد الوهاب مطاوع عضو بمجلس إدارة الأهرام وعضو بمجلس قسم الصحافة بكلية الإعلام بجامعة القاهرة كأستاذ غير متفرغ من الخارج
.باب بريد الجمعة
تسلم باب بريد الجمعة الأسبوعي من الصحفي( محمد زايد) في عام 1982 ، وبدأت رحلته مع البريد طوال 22 عاماً. وحاز الباب على شهرة واسعة في حل المشكلات الانسانية التي كانت تشكل مركز جذب في اليوم الجمعة من القراء المصريين. ونشرت به بعض من أغرب القصص الانسانية والمشاكل الشخصية والأسرية التي استفاد الناس من الردود عبد الوهاب مطاوع عليها والتي كان يطعمها باقوال الحكماء والأنبياء وكبار الكتاب والفلاسفة وكان لايقسو على صاحب المشكلة في الرد مهما كان حجم ما اقترفه من ذنب بل كان يسعى دائماً لمساعدة صاحب المشكلة وكان يستقبلهم أحياناً في مكتبه أو يوجههم لمن باستطاعته مساعدتهم على حل مشكلاتهم.كما كان يحرص على أن توجه التبرعات - والتي كانت مبالغ كبيرة - التي تأتي إلى بريد الأهرام حسب رغبة المتبرع وتدينه.
مؤلفاته
لعبد الوهاب مطاوع العديد من المؤلفات وهي
ماكان يجمعه من رسائل وردود أو روايات من وحي القصص الانسانية التي كانت ترد إليه منها
1/:أصدقاء على الورق (قصص إنسانية)
يوميات طالب بعثة (أدب رحلات)
صديقي ما أعظمك (مقالات وصور أدبية)
صديقي لا تأكل نفسك(مقالات وصور أدبية)
العصافير الخرساء (قصص إنسانية)
نهر الحياة (قصص إنسانية)
سائح في دنيا الله (أدب رحلات)
نهر الدموع (قصص إنسانية)
(قصص إنسانية)
أزواج وزوجات (قصص إنسانية)
أعطي للصباح فرصة (مقالات وصور أدبية)
أرجوك لا تفهمني (قصص إنسانية)
افتح قلبك (مقالات وصور أدبية)
عاشوا في خيالي (مقالات وصور أدبية)
أيام السعادة والشقاء (قصص إنسانية)
حصاد الصبر ( قصص إنسانية)
صوت من السماء (قصص إنسانية)
أرض الأحزان (قصص إنسانية)
نافذة علي الجحيم (قصص إنسانية)
بعد مغيب القمر (قصص إنسانية)
فتاة من قاع المدينة (قصص إنسانية)
هتاف المعذبين (قصص إنسانية)
نهر الحياة (قصص إنسانية)
دموع صامتة (قصص إنسانية)
العيون الحمراء (قصص إنسانية)
إندهش ياصديقي (مقالات وصور أدبية)
الجوائز التقديرية
حصل عبد الوهاب مطاوع على جائزة أحسن صحفي يكتب في الموضوعات الاجتماعية والإنسانية.
منقول
وفاته
توفي يوم الجمعة بتاريخ 6/8/2004